14‏/11‏/2013

المشكلات الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية (1)

الحمد لله الذي خلق وبرأ، وأحسن وذرأ، وأصلِّي وأسلِّم على رسوله الأكرم، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسانٍ، وأسلِّم تسليمًا كثيرًا.
 أمَّا بعد:
فإنَّ أمَّتنا المسلمة تعيش أزمات متتابعة، ومشكلات متصاعدة، وهمومًا متعدِّدة؛ فأزمات في العقيدة والفكر، ومشكلات في السياسة والعلاقات الدوليَّة، وإشكاليات في المجالات التقنيَّة وكذا الاجتماعيَّة، ومن تلك الأزمات والمشكلات التي شبَّت عن الطوق، وتفاقمَ الحديث عنها: المشكلات الاقتصاديَّة في المجتمعات الإسلاميَّة.

ولا ريب أنَّ لكلِّ زمنٍ مشاكلَه الاقتصاديَّة الخاصَّة به، وكذا لكلِّ دولة وقُطْرٍ من الأقطار همومه الاقتصاديَّة، إلاَّ أنَّ بصمات المشكلات الاقتصاديَّة في عالمنا الإسلامي لائحة واضحة لكل ذي عينين، وأزماته التي يُعانِي منها قد كثرت وتعدَّدت، وخصوصًا في عصر العولمة الاقتصاديَّة.

ومن هذا المنطلق، أحببتُ أن أُدلِي بدلوي، وأفرغ طاقتي، كتابة وبحثًا حول هذه القضيَّة المعاصِرة والمُلِحَّة، وإن كنت أرى أنَّ موضوع البحث كبير جدًّا، ويحتاج لدراسات متعدِّدة، تتناوَل زواياه وفروعه بالبحث العميق، والتأمُّل الدقيق، ولكن ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جُلُّه، وحسبك بالقلادة ما أحاط بالعنق، وبالسوار ما أحاط بالمعصم.

إنَّني إذ أكتب هذه السلسلة فلعلِّي أُحاوِل من خلالها أن أُصِيب هدفي الرئيس فيها، وذلك بأن أصل إلى لبِّ الإشكاليَّات التي تُعانِي منها مجتمعاتنا الإسلاميَّة، مرورًا بتعريف المشكلة إلى الحديث عن الإشكاليَّات أو المشكلات التي يُعانِي منها المجتمع الإسلامي، ومن ثَمَّ مظاهر وعوارض هذه المشكلة، ثمَّ أعقِّبُ ذلك بذكر العلاج الذي أراه نافعًا لحلِّ الإشكاليَّات التي ذكرتها، إن عَنَّ لي شيء من ذلك، أو أكون قد جمعتها من كتب المتقدِّمين أو المتأخِّرين من المتخصِّصين على وجه مختصر.

وقد يكون هذا البحث مليئًا بذكر الشواهد والاقتباسات، فيكون بعيدًا عن الاستِطراد الكلامي، والحديث الإنشائي؛ إذ إنَّ ذلك ليس من مقاصدي، فلعلَّ ذكر الشواهد واستِعراض الأدلَّة والبراهين خيرُ ما يمكن تقويته لمضمون هذا البحث.

كما إنَّي أقول: إنَّ كاتب هذه الأحرف لا يعدُّ نفسه متخصِّصًا، كما لو كان خبيرًا اقتصاديًّا، أو محلِّلاً للمال والأسواق العربيَّة؛ بل إنَّه يُسنِد الفضل لأهل الفضل من المتخصِّصين، ويعدُّ نفسه مرتشفًا من بحوثهم، جامعًا لما كتبوه أو دقَّقوه أو نثروه في أبحاثهم ودراساتهم، لعلِّي أعثر على ما يفيدني كباحث ويُفِيد المطالع له، والقارئ لحروفه.

وحتَّى يكون مرادي من هذا البحث واضحًا أمام نفسي ومَن قرأه، فإنَّني ضمَّنت بحثي هذا بعض المناهج البحثيَّة الحديثة، ومنها:
المنهج التحليلي: بذكر الأسباب التي أدَّت لوجود تلك الإشكاليَّة الاقتصاديَّة، ومن ثَمَّ التفكير بطرق العلاج لتلك المشكلة والأزمة الاقتصاديَّة في واقع الشعوب الإسلامية.

 
المنهج الوصفي: بذِكْر بعض المظاهر المتعلِّقة بتلك المشكلة الاقتصاديَّة، وإعطاء صورة ونبذة ولو متواضعة عن الصفة العامَّة والإشكالية الكبرى التي تطرَّقت إليها في واقع المجتمعات الإسلاميَّة.

 
أسأل الله - تعالى - أن يُعِينني على استِكمال دوائر البحث فيه، ومحاور النقاش وعناصره من خلاله، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوَّة إلا به.

تمهيد:
يهمُّ الباحث في أيَّة قضيَّة يتحدَّث عنها أن يُعَرِّف معناها وجذورها اللغويَّة، وأصولها التعريفيَّة، ومن خلال بحثي في التعريف لمعنى كلِّ كلمة من عنوان البحث: (المشكلات الاقتصاديَّة في المجتمعات الإسلامية)، فتكون معانيه على النحو الآتي:
(المشكلة): مأخوذ أصلُها من قولهم: (أشكل).

قال ابن منظور في "لسان العرب": "وهذا شيء أشكل، ومنه قيل للأمر المشتبه: مُشْكِل، وأشكل عليَّ الأمر، إذا اختلط، وأشكلت عليَّ الأخبار وأحْكَلَت بمعنى واحد"[1].

وفي "المعجم الوجيز": "أشكل الأمر: التبس... واستشكل الأمر: التبس... والإشكال: الأمر الذي يُوجِب التباسًا في الفهم، وإشكال التنفيذ"[2].

(الاقتصاديَّة):
جاء في "لسان العرب": "القصد في الشيء: خلاف الإفراط وهو ما بين الإسراف والتقتير، والقصد في المعيشة: ألاَّ يسرف ولا يقتر، يقال: فلان مقتصد في النفقة"[3].

أمَّا مَجمَع اللغة العربيَّة فقد عرَّف كلمة: (اقتصاد) بقولهم: "الاقتصاد: علم يبحث في الظواهر الخاصَّة بالإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ويكشف عن القوانين التي تخضع لها"[4].

وجاء تعريفه في "الموسوعة العربيَّة الميسَّرة" بأنَّه: "العلم الذي يبحث في شؤون إنتاج الثروة وإشباع الحاجات الماديَّة للأفراد".

(المجتمعات):
من أقرب ما وجدته في التدليل على مراد هذه الكلمة مع مقصد البحث، ما ذكَرَه ابن منظور حيث قال: "مُجْتَمَع: أصل كلِّ شيء، أراد منشأ النسب وأصل المولد، وقيل: أراد به الفِرَق المختلفة من الناس"[5].

فالبحث في هذه السلسلة يبحث حول هذه المشكلات والإشكالات الملتبسة من القضايا الاقتصاديَّة في المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون، وأقصد الذين يعيشون داخل الدول التي يدين أكثر أهلها بالإسلام، أمَّا الأقليَّات الإسلاميَّة فلم أتطرَّق لهم، فموضوعهم يستحقُّ أن يُفرَد ببحث أكاديمي علمي باحثٍ في تفصيلاته.

وقد عُرِّفت المشكلة الاقتصاديَّة بعدم إمكانيَّة الموارد الاقتصاديَّة المحدودة - المتناقِصة عادة، أو المتزايد بعضها بنسبة حسابيَّة أو أقل من حسابية - من تلبِيَة كافَّة الاحتياجات المتزايدة باضطراد وفق قانون تَزايُد الحاجات (بنِسَب حسابية وهندسية متفاوتة)[6].

ولذلك، فإنَّ "المشكلة الاقتصاديَّة من وجهة نظر الدراسات الاقتصاديَّة المعاصرة نتجت من وجود عنصرين متناقضين:
1- الحاجات أو الرغبات البشرية، وممَّا توصف به هذه الحاجات أنها متعدِّدة؛ أي: كثيرةٌ إذا نظر إليها في لحظةٍ ما، وهي أيضًا متجدِّدة مع الزمن، وكلما حصل الإنسان على رغبةٍ، ظهر له رغبات أخرى.

2- الموارد الاقتصاديَّة، وتسمَّى أيضًا عناصر الإنتاج، وتُطلَق على محل العناصر التي يُستَعان بها في إنتاج السِّلَع والخدمات، وهذه العناصر هي: العمل، والموارد الطبيعية، ورأس المال"[7].

إذًا فالمشكلات الاقتصاديَّة في عصرنا تحتلُّ مكان الصدارة بالنسبة لغيرها من المشكلات؛ لأنَّ الناس شُغِلوا بمعركة الخبز، ولقمة العيش، حتى "أصبح العامل الاقتصادي أبرز العوامل في قِيام الحكومات أو سقوطها، ونجاح السياسات أو إخفاقها، واشتعال الثورات أو خمودها، وكثيرٌ من حروب العصر الدائرة في قارَّات العالم الآن تكون ذات طابع اقتصادي"[8].

المشكلة الأولى:
في البدء كان الفقر!
حين نتطرَّق بالبحث عن المشكلات الاقتصاديَّة، فإنَّنا سنجد أنَّ أوَّل المشكلات انتشارًا في أوساط المجتمعات الإسلاميَّة، والتي طمَّت بواديها على القرى، وبلغ بها السيل الزُّبَى، معضلة الفقر.

لقد قال نيلسون مانديلا الرئيس السابق لجنوب إفريقيا بمناسبة اجتِماع وزراء ماليَّة الدول الصناعية السبع الكبرى: "الفقر الواسع النِّطاق، وانعدام المُساواة بشكلٍ فاحش، مِن أسوأ نكبات هذا الزَّمن، حتى إنَّه ينبغي اعتبارهما منَ المساوئ الاجتماعيَّة جنْبًا إلى جنب مع العُبُودية والفصل العُنْصري"[9].

فالفقر إذًا تحدٍّ كبيرٌ يُواجِه العالم الاقتصادي اليوم، ونُدرِك حينَها خُطُورة انتِشار مثل هذا الوباء الذي استَعاذ منه - عليه الصلاة والسلام - وقرَنَه بالكفر؛ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من الكُفر والفقر))[10]، وكما قالت العرب: "إذا ذهَب الفقرُ إلى بلد قال له الكفرُ: خذني معك"، حتَّى قال الصحابي الجليل أنس بن مالك - رضِي الله عنه - : "كاد الفقر أن يكون كفرًا"[11].

قال المُناوي في "فيض القدير": "(كاد الفقر)؛ أي: الفقر مع الاضطرار إلى ما لا بُدَّ منه كما ذكره الغزالي، (أن يكون كفرًا)؛ أي: قارب أن يُوقِع في الكفر؛ لأنَّه يحمل على حسد الأغنياء، والحسد يأكُل الحسنات، وعلى التذلُّل لهم بما يدنس به عرضه ويثلم به دينه، وعلى عدم الرِّضا بالقضاء وتسخُّط الرِّزق، وذلك إن لم يكنْ كُفرًا فهو جارٌّ إليه، ولذلك استَعاذ المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الفقر.

وقال سفيان الثوري: لأن أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذلي في سؤال الناس، قال: ووالله ما أدري ماذا يقع منِّي لو ابتُلِيت ببلية من فقر أو مرض، فلعلِّي أكفر ولا أشعر؛ فلذلك قال: كاد الفقر أن يكون كفرًا؛ لأنه يحمل المرْء على ركوب كلِّ صعب وذلول، وربما يؤدِّيه إلى الاعتِراض على الله والتصرُّف في ملْكه..."[12].

لأجْل ذلك كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَستَعِيذ من الفقر والجوع، ويقول: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من الجُوع))[13]، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم إنِّي أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة))[14]؛ ولهذا نسب للصحابي الجليل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقيل: إنها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - القول بأنَّه: "لو كان الفقر رجلاً لقتلتُه"، ومِمَّا نُقِلَ عن الصحابي الجليل أبي ذر - رضي الله عنه - قوله: "عجبت لِمَن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه؟!".

المبحث الأول: تعريف الفقر:
تطرَّقت كتب الاقتصاد إلى تعريف الفقر، إلاَّ أنَّ تعريفه في كثيرٍ من الأحيان غير الشيء المُتَداوَل والمعروف بين الناس، ولكن ضرورة لتعريف الفقر فقد جاء في تعريفه لدى الأمم المتحدة بأنَّه: "قصورٌ في القدرة البشرية، وهذا يعني: عدم قدرة الإنسان على توفير جوانب عديدة من حياته؛ مثل: الحاجات الأساسية للبقاء على الحياة والخدمات الأساسية؛ مثل: التعليم والصحة والعمل"[15].

وعرَّفه بعضُهم بأنه: "عدم القدرة على الحصول على الخدمات الأساسية من المسكن والملبس والغذاء والماء النظيف، ممَّا يوفِّر الحد الأدنى اللازم لتَمكِين الإنسان من العيش الكريم، ويساعده على القيام بحُقُوق الخلافة"[16].

وعرَّفه بعضهم بأنَّه: "عدم القدرة على تحقيق مستوى معيَّن من المعيشة المادية، والذي يمثِّل الحد الأدنى المعقول والمقبول في مجتمعٍ ما من المجتمعات في فترةٍ زمنيَّة محدَّدة"[17].

وفي تعريفٍ لبعض المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي هو: "الحرمان الشديد من الحياة الرضية، والحرمان المادي من دخل وصحة وتعليم، والمعاناة من التعرُّض للمخاطر؛ كالمرض، وقلَّة الدخل، والعنف والجريمة، والكوارث، والانتِزاع من المدرسة، وعدم قدرة الشخص على إسماع صوته، وانعدام حيلته، وانعدام أو نقص الحريَّات المدنيَّة والسياسيَّة".

لأجل ذلك، فإنَّ المنظمات الدولية تعتمد في قياسها للفقر في الدول النامية على نوعين خطيرين في الفقر، وهما:
1- الفقر المُدقِع: هو الحالة التي لا يستطيع فيها الإنسان - عبر التصرُّف بدخله - الوصول إلى إشباع حاجاته الغذائية لتأمين عددٍ معيَّن من السعرات الحرارية التي تمكِّنه من مواصلة حياته عند حدود معيَّنة.

2- الفقر المطلق: هو الحالة التي لا يستطيع فيها الإنسان - عبر التصرُّف بدخله - الوصول إلى إشباع حاجاته الأساسية المتمثِّلة في الغذاء، والمسكن، والملبس، والتعلم، والصِّحَّة، والنقل.

المبحث الثاني: أسباب الفقر:
بعد تأمُّل في جذور إشكاليَّة الواقع المُزرِي الذي تعيش فيه غالب بلادنا الإسلاميَّة تحت مطرقة الفقر، فيُمكِنني أن أقول بأنَّ لذلك أسبابًا عدَّة، ومنها أسباب تقع خارج إطار الفقراء، وأسباب بسبب الفقراء أنفسهم، ويُمكِن إجمال الأسباب بأنَّها: أسباب سياسية، وأسباب اجتماعية، وأسباب اقتصاديَّة.

ولكنَّنا سنُناقِش الأسباب بطريقةٍ أخرى، فنقول: هي أسباب داخلية، وأسباب خارجيَّة.

الأسباب الخارجية:
أمَّا الأسباب الخارجيَّة فيُقصَد بها تلك التي تكون خارج دائرة الفقراء، بل هي مفروضة عليهم، وهي على النحو الآتي - ولن أُطِيل عند كلِّ واحدةٍ منها إلاَّ بما يقتَضِي -:
1- الذنوب والمعاصي:
قد يستغرب متخصِّص في الاقتصاد كيف نُدخِل قضية الذنوب والمعاصي، وندَّعِي أنَّه أحد أهم الأسباب بل أوَّل الأسباب ذكرًا؟ بيد أنَّ الأمر في الحقيقة واضح، فمَن أطاع الشيطان واتَّبَع ما يغضب الله، وابتَعَد عن الصدقات والإحسان إلى الغير وإيتاء الزكاة، وبات شحيحًا بخيلاً جموعًا منوعًا، فإنَّه سيَتَعَرَّض للفقر، وقد يُبتَلَى به، فالله - تعالى - يقول: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾ [البقرة: 268].

جاء في "تفسير القرطبي" عند قوله - تعالى -: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾ ما نصُّه: "﴿ يَعِدُكُم ﴾ معناه: يخوِّفكم ﴿ الفَقْرَ ﴾؛ أي: بالفقر؛ لئلا تُنفِقوا، فهذه الآية متَّصِلة بما قبل، وإنَّ الشيطان له مدْخلٌ في التثْبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها، وقيل: أي بألاَّ تتصدَّقوا فتعصوا وتتقاطعوا، وقُرِئ: ﴿ الفُقر ﴾ بضم الفاء وهي لغة، قال الجوهري: والفُقر لغة في الفَقر؛ مثل: الضُّعف والضَّعف"[18].

ويقول - تعالى -: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، وسبب الجوع والخوف هو الإعراض عن طاعة الله، وعدم شكره على نِعَمِهِ الوفيرة!

وبما أنَّ من المعلوم أنَّ الشكر قَيدُ النِّعَم، وأنَّ النعمة إذا شُكِرَت قرَّت، وإن كُفِرت فرَّت، فمن اللازم والواجب على عِباد الله أن يشكروا نعمة الله عليهم؛ لئلاَّ يُحرَموا منها، ولا يكون حالهم كحال أصحاب مملكة سبأ، والذي جعَلَهم الله - تعالى - لنا آية وعبرة وعظة لِمَن كان له سَمْعٌ؛ حيث يقول - تعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [سبأ: 15 - 19].

وهنا نلحَظ أنَّ أهل سبأ كانوا في غنى وعيش حسن، وحياة الرفاهية والترف، لكنَّهم أعرضوا عن شكر نعمة ربِّهم، وتنكَّبوا طريق الهداية، فجازاهم الله - تعالى - بذلك خَراب مَحلَّتِهم، وكل ذلك بسبب الذنوب والمعاصي، والذي أخبر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ لها دورًا أكيدًا في حرمان الرزق؛ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وإنَّ العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه))[19].

وعن أبي أمامة قال: قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ روح القدس نفَث في رُوعِي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمِل أجلها، وتستَوعِب رزقها، فاتَّقوا الله وأجمِلوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله - تعالى - لا يُنال ما عندَه إلا بطاعته))[20].

2 - الظلم:
فهو رأس كلِّ بليَّة، ومصبُّ كلِّ رزيَّة، ويمكننا أن نقول: إنَّ غالب الأسباب تندَرِج تحت إطاره، وتنطَوِي داخل جلبابه الأغبر، فمن الظلم عدمُ العدالة في التوزيع؛ حيث أدَّى إلى نفور الناس واحتقار قوانين الدولة، وإجحاف جمعٍ من الناس غير قليلين، بإعطاء آخَرين نصيبًا أكثر من المال، والآخرون لا يأخذون إلاَّ القليل!

ولعلَّ ما يشهد لذلك ويُمكن الاقتصار عليه لوُضُوح هذه النُّقطة، تلك الدِّراسة البحثيَّة التي أعدَّها أستاذ العلوم التَّربوية والنفسية في كلية التربية الأساسية إحدى الجامعات بالعراق الدكتور عبدالسلام جودت؛ حيث ذكر أنَّ "أبرز الأسباب التي أدَّت إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في المجتمع العراقي جاءتْ نتيجة للسياسات الخاطئة التي انتهجَتْها الحكومات السابقة طوال العُقُود الأربعة الأخيرة، وخاصَّة الحروب المتتالية التي خاضَها النظام السابق، والافتِقار إلى إستراتيجية متكاملة لبناء الاقتصاد العراقي من قِبَلِ الحكومات التي أعقبت سقوط النظام، فضلاً عن انتشار مظاهر العُنف والفساد المالي والإداري، والغموض الذي رافق برامج القوات الأمريكيَّة في إعمار العراق"[21].

3 - استئثار الأغنياء بالمال وحرمانه الفقراء:
وذلك بحَجْزهم وتنمُّرهم على الأموال، وحرمان أغلبيَّة المجتمع من الفقراء والمحتاجين، وهذا يوجد كثيرًا في المجتمع الذي يتعامَل بالاقتصاد الاشتراكي؛ بل حتَّى المجتمع الرأسمالي؛ لأنَّ جميع هذه المدارس الاقتصاديَّة تُكَرِّس روح الليبراليَّة والتعامُل بالمعاملات الربويَّة كما يشاؤون، ما أدَّى إلى أن يعيش المجتمع في طبقتين وشريحتين، كلٌّ منهما لا تختلط بالأخرى إلاَّ لِمامًا، وقد حُكِيَ أنَّ الصحابي الجليل علي بن أبي طالب - رضِي الله عنه - قال: "ما جاع فقير إلاَّ بما تمتَّع به غني".

إنَّ كثيرًا من الأغنياء يُفَرِّطون في بذل الصدقات، وإنفاق الزكاة الواجبة في مالهم، ويحملهم الجشَع والطمع على أن يستأثروا بمالهم وحدَهم، مع أنَّهم يعلمون أنَّ هذا المال هو مال الله، وهو الذي تفضَّل عليهم به، فمَن ادَّعى أنَّ هذا المال لم يكن إلاَّ بسبب قوَّته، فعليه أن يخشى من أن يكون هذا المال وبالاً ودمارًا عليه:
وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ  -- مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ

ولنا في قصَّة قارون خيرُ دليلٍ ومثالٍ على ذلك؛ قصَّة قارون الذي ادَّعى أنَّ جمع هذا المال كان بسبب ذكائه ومهارته، ولم يعزُ الفضل لله وحدَه، وآيات القرآن الكريم قد شرحت حاله مع ماله، وكيف صار مآله؛ حيث قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ [القصص: 76 - 82].

فقارون قد آتاه الله من الأموال الشيءَ العظيم، وكان عليه أن يشكر نعمة الله عليه، وأن يُطِيع ربَّه - تعالى - ويبتعد عن معصيته، ويُحسِن للآخَرين من المساكين والفقراء والمحتاجين كما أحسن الله إليه، ولكنَّه أبى واستَكبَر وأعرَض، وادَّعى أنَّ هذا المال إنما جاءَه بسبب قوَّته وذكائه، فحرَمه الله - تعالى - منه، وخسَف الله به وبداره الأرض، وكان آيةً للناس أجمعين.

وفي قصَّة أصحاب الجنَّة الثلاثة كذلك خيرُ شاهدٍ على ذلك من كتاب الله - تعالى - حيث يقول الله - جلَّ وعلا -: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم: 17 - 33].

قال المفسِّرون: "كان لرجلٍ مسلمٍ بقرب صنعاء بستانٌ فيه من أنواع النخيل والزروع والثمار، وكان إذا حان وقت الحصاد دعا الفقراء فأعطاهم نصيبًا وافرًا منه وأكرمهم غاية الإِكرام، فلما مات الأب ورثه أبناؤه الثلاثة فقالوا: عيالنا كثيرٌ والمال قليلٌ، ولا يمكننا أن نعطي المساكين كما كان يفعل أبونا، فتشاوَرُوا فيما بينهم وعزموا على ألاَّ يعطوا أحدًا من الفقراء شيئًا، وأن يجنوا ثمرها وقت الصباح خفيةً عنهم، وحلفوا على ذلك، فأرسل الله - تعالى - نارًا على الحديقة ليلاً أحرقت الأشجار وأتلفت الثمار، فلمَّا أصبحوا ذهبوا إلى حديقتهم فلم يروا فيها شجرًا ولا ثمرًا، فظنُّوا أنهم أخطؤوا الطريق، ثم تبيَّن لهم أنها بستانهم وحديقتهم، وعرفوا أن الله - تعالى - عاقبهم فيها بنيَّتهم السيِّئة، فندموا وتابوا بعد أن فات الأوان ﴿ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾؛ أي: حين حلفوا ليقطعن ثمرها وقت الصباح، قبل أن يخرج إليهم المساكين ﴿ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ ﴾؛ أي: ولم يقولوا: إن شاء الله، حين حلفوا، كأنهم واثقون من الأمر"، فأصاب الله جنَّتهم بعذاب من السماء جعلها خاويةً على عروشها، والسبب في ذلك كذلك عدمُ شكر نعمة الله، واستِئثار الأغنياء بالمال وحرمان الفقراء منه.

4 - العَوْلمة الاقتصاديَّة:
فإنَّ للعولمة دورًا كبيرًا في استقطاب رؤوس الأموال في دول العالم الثالث، وجلبها وجذبها عبر وسائل الإقناع؛ لرصد أموالها في الأسواق العالمية في دول المركز، وقد نوَّه لذلك علماء الاقتصاد العالمي؛ إذ جاء على لسان جورج سروس - أحد أقطاب الاقتصاد الغربي -: إنَّ العولمة أدَّت إلى انتقال رؤوس الأموال من الأطراف"، هنا يقصد الدول النامية "إلى المركز"، يقصد الدول الغربية، وقد تبنَّى جون ستحليتر - خبير الاقتصاد السابق في البنك الدولي - نفس الرؤيا والفكرة[22].

ومع أنَّ كثيرًا من المحلِّلين الماليين والاقتصاديين كانوا ينادون بخطر اندِماج المال العربي والإسلامي بكليَّته في الأسواق العالمية البنكية، ولكن بدون استِماع أو انتباه، وحينما حصلت الكارثة والأزمة المالية العالمية المعاصرة، فإنَّ خسائر الأموال العربية في الخارج جرَّاء تلك الأزمة - طبقًا لتقدير جامعة الدول العربية - 2400 مليار دولار، وخسر العرب أكثر من 40 % من ثروته المغتربة في ديار الغرب، وكما يُقال: على نفسها جنت براقش!

لقد وصَف الدكتور علي عقلة عرسان نتائج العولمة بأسلوب أدبي حين يقول: "وهكذا نجد أنَّ العولمة تفسح المجال واسعًا أمام أصحاب رؤوس الأموال لجمع المزيد من المال، على حساب سياسة قديمة في الاقتصاد كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدِّي إلى تحقيق ربح، بينما اليوم فالاعتِماد هو على تشغيل المال فقط دون مغارم من أيِّ نوع؛ للوصول إلى احتِكار الربح"، إنها مقولة تلخِّص إلى حدٍّ ما بعودة (شايلوك) المرابي اليهودي التاريخي محملاً على أجنحة المعلوماتية والعالم المفتوح لسيطرة القوَّة المتغطرِسة، وعودته المدجَّجة بالعلم والتقنية - تقلب القاعدة القديمة القائلة: إنَّ القوي يأكل الضعيف، إلى قاعدة جديدة عصرية عولمية تقول: السريع يأكل البطيء، وسمك القرش المزوَّد بالطاقة النووية ومعطيات الحواسيب وغزو الفضاء يستَطِيع أن يبتلع الأسماك الأخرى، والصيادين الذين يغامرون إلى أبعد من الشاطئ[23].

5 - قُصُور الإنتاج بعدم استغلال الموارد الطبيعيَّة:
مع أنَّ الأرض ملأى بالخزائن، وبركات السماء تَنهال وتنهَمِر، ومع ذلك تفرط الكثير من الحكومات من الاستِفادة من هذه الثروات والمواد الخام.

لقد قال الله - تعالى - في مُحكم التنزيل: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20].

ومع هذا نجد التفريط الكبير، والتقصير الواضح لحسن استِغلال هذه الموارد الطبيعيَّة، ويدخل في ذلك "قضية الأمن الغذائي للعالم الإسلامي؛ إذ تعتمد الأمَّة في نسبة كبيرة من غذائها على دول أجنبية لا تَدِين بالإسلام، وقد تصل هذه النسبة في بعض الدول إلى 70 %"[24]!

6 - الحروب والدمار والقتل:
وهذا أمرٌ مُلاحَظ في البلاد التي حلَّت بها الحروب؛ كفلسطين، وأفغانستان، والعراق، والصومال، والشيشان، وكشمير، وغيرها من بلاد الإسلام، وسنتطرَّق إليه - بحول الله - حين الحديث عن هذه الإشكاليَّة التي عانَى منها الاقتصادُ في البلاد الإسلاميَّة، وانعكس ذلك على شعوب المنطقة.

7 - التهديدات والضغوط من قبيل دور المركز والتدخُّل كذلك في الدول الإسلامية لزعزعة الاستقرار الاقتصادي والتنموي:
يتحدَّث المفَكِّر د. عبدالله النفيسي في مقالته النفيسة: "أي مستقبل للجزيرة العربية في ظل الاحتكارات" قائلاً: أذكر أنَّ كيسنجر زارنا في الجزيرة العربية سنة 1975م، وكان من ضمن الأجندة التي تحدَّث عنها مع المسؤولين في المملكة العربية السعودية زراعة القمح، وتساءَل منزعجًا: لماذا تزرعون القمح؟ نحن نستطيع أن نورد لكم القمح إلى ميناء جدة بسعر أرخص بكثيرٍ من تكلفة إنتاج الكيلو الواحد في السعودية، فلماذا تزرعون القمح؟

وقيل له حينها: إنَّ هناك توجُّهًا لدى الملك فيصل بن عبدالعزيز وحكومته لتحقيق شيء من الاكتِفاء الذاتي الغذائي في الجزيرة العربية، وإنَّ هناك قابلية للزراعة، وإنَّ المملكة تريد استثمار هذه القابلية، سواءً في أراضيها أو في غيرها من أرجاء الجزيرة العربية"[25].

وبما أنَّ القمح من أهم المطعومات التي تُسَبِّب اكتفاءً ذاتيًّا للدول المصدِّرة له، فإنَّ الغرب وبالأخصِّ أمريكا يجنُّ جنونها حينما ترى اكتِفاء الدول الإسلاميَّة بالقمح والقطن وغيره، ولأجل ذلك فهي تحاول - ولا تفتأ - بأن تتدخَّل في هذه الدول، وتُحاوِل الهيمنة والسيطرة عليها، ولعلَّ ما يُثِير أوجه الاستغراب والتعجُّب أنَّ دولة مصر وهي الدولة التي تمتلك الماء والأرض والأيدي العاملة والمحصود الضخم من القمح، ومع ذلك فإنَّها لا تكتفي من القمح؛ لأنَّ الدول الغربيَّة تُحاوِل التدخُّل في مصر، و"من هنا نفهم رفض كندا للعروض الأمريكيَّة لتوفير القمح لها بسعر يقلُّ عن تكلفة زراعة القمح على الأراضي الكنديَّة، وكان الرفض الكندي عنوانه: (القمح محصول إستراتيجي لا يُمكن التفريط فيه)، وقد صرَّح الرئيس الأمريكي السابق ريجان أثناء فترة رئاسته بقوله: سنحكم العالم عام 2000 بالقمح"[26].

كما نَلحظ ونُشاهد محاولة التدخُّل الأمريكي في السوق السوداني، تتمثَّل في السيطرة على الاكتِشافات البترولية الجديدة بالجنوب السوداني، ومحاولة إبعاد الشركات الصينية والهندية والماليزية عن منافستها، فقد أثبتت البحوث الجيولوجية في جامعة برلين وجود ثروة نفطية كبيرة في شمال السودان، بالإضافة إلى ما تَمَّ اكتشافه في الجنوب السوداني وغرب السودان بولاية كردفان، والتي بلغت طاقتها الإنتاجية الآن حوالي 300 ألف برميل يوميًّا[27].

ومن أبرز تجلِّيات التدخُّل الأمريكي في مجال الطاقة والمؤثِّر حتمًا في المجال الاقتِصادي في الدول الإسلامية، أن يتمَّ ربطُ أسعار النفط - في جميع الدول النفطية - وفقًا لخام "برينت"، وهذا فيه ظلم كبير لما تُنتِجه الدول النفطية العربية يوميًّا من النفط؛ فالسعودية تنتج ما يقرب من 10 إلى 12 مليون برميل يوميًّا، والكويت تنتج 3 ملايين برميل، والعراق تنتج 4 ملايين برميل، وربط السعر بهذا المعيار يصبُّ في مصلحة الولايات المتحدة التي تشتري 15 مليون برميل يوميًّا؛ ومن ثَم تُجبِر جميع الدول النفطية - التي معظمها عربية - على الانصِياع إلى خام "برينت"، والتسعير وفق البورصات العالمية (بورصة نيويورك/ بورصة لندن/ بورصة طوكيو)، وكلها تتحكَّم فيها كبرى الشركات النفطية الغربية؛ مثل: "شيفرون"، و"إيكسون"[28].

8 - الإستراتيجيات الفاشلة للقضاء على الفقر:
حتَّى أدَّت تلك الإستراتيجيات إلى طريق مسدود لعلاج هذه الظاهرة المزرية، وذلك كأن تتبنَّى دولة ما نظام الطبقيات، أو المعاملات الربويَّة.

9 - سوء توزيع الثروة والدخل:
سُوء توزيع الثروة والموارد والمدْخولات في هيْكلة خزائن الدول له دورٌ أكيد في إيجاد مشكلة الفقر، ولعلَّنا نُفرِدها ببحثٍ متكامل يوضح سوء تدبير كثيرٍ من البلاد الإسلاميَّة وتنظيمها الاقتصادي، فليست المشكلة في قلَّة الموارد في البلاد الإسلاميَّة، وإنما سوء استعمالها والتعامُل معها وسوء توزيعها.

الأسباب الخاصة بالفقراء:
وأمَّا الأسباب الخاصة بالفقراء، والتي كان لهم دور رئيس في الاكتواء بنار الفقر، فكما يلي:
1- الكسل:

 
كثيرٌ من الفقراء والمُعوِزين يأنسون بحالة الكسل، فلا يطلبون الرزق على أوجه مُباحَة، وصاروا كما قال الشاعر:
تَبَلَّدَ فِي النَّاسِ حِسُّ الْكِفَاحِ  --- وَمَالُوا لِكَسْبٍ وَعَيْشٍ رَتِيبِ
يَكَادُ يُزَعْزِعُ مِنْ هِمَّتِي  --- سُدُورُ الْأَمِينِ وَعَزْمُ الْمُرِيبِ
 
وكم رأينا وسمعنا أناسًا يتسوَّلون من الآخرين، وهم بأتَمِّ صحَّة وعافية، ولكن الكسل أو العجز حجَزَهم عن المُضِيِّ في طلب الرزق! مع أنَّه - سبحانه وتعالى - حَثَّ على طلب الرزق؛ فقال: ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ [الملك: 15]، وقال - تعالى -: ﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ [القصص: 77].

وقد قال الإمامُ محمد بن الحسن الشيباني: "إنَّ الله فرَض على العباد الاكتساب بطلب المعاش؛ ليستعينوا به على طاعة الله"[29].

2 - ضعف الهمَّة والدونية، وعدم السَّعي في تطلُّب العمل:
نجد كثيرًا من الفقراء والمُعوِزين قد أَنِسُوا لفقرهم، وقَلَّ منهم مَن يكون عِصاميًّا، فيعتَمِد على نفسه ويقوم ساعيًا في قضاء حوائجه.

وكم رأيت أناسًا فقراء يَتَسوَّلون من الآخَرين، وكنت أقول لهم: هل تعملون؟ فيقولون: لا نعمل، قلت لهم: وما عملكم؟ فيقولون: التسوُّل وانتظار الصدقات التي تَرِدُنَا من الأغنياء والموسرين.

فأنسوا بحالة الفقر ومسألة الناس، واستراحوا لحالة الضعة والضَّياع التي يعيشونها، وصار حالهم كحال مَن حدَّثَتْنا كتب التاريخ عنهم من بعض العَبِيد والإماء من أهل الرِّقِّ، الذين إنْ أراد أسيادهم أن يعتقوهم لوجه الله، طلبوا منهم ألاَّ يفعلوا ذلك لأنهم عاشوا في ظروف العبوديَّة ولم يستطيعوا الانفكاك عنها قيد أنملة!

3 - الربا:
فالمُتابِع لحالِ كثيرٍ من الفقراء والمُعوِزين، يجد كثيرًا منهم وقَع بهذه الآفة (الفقر)؛ بسبب ارتِباطه بتلك البنوك الربويَّة التي قصمت ماله، وكسرت ظهره، وأثقلَتْه بوابِلٍ من الديون والهموم، وأخذَتْه عبر طرق غير مشروعة، ومن ثَمَّ صارت يده كفافًا يبابًا، وأصبح محتاجًا فقيرًا يطلب من الآخرين الصدقات والزكوات.

وهذه آفة ولوثة غَزَتْ بيوتنا من المجتمعات الرأسمالية التي تقوم على جعل المال مُتداوَلاً بين الأغنياء، ولا يستَفِيد منه إلاَّ هم، وهم القلَّة القليلة التي تستَفِيد منه، والبقيَّة تعيش فقيرة معدمة الحال والمال، وهو نصُّ ما جاء في كتاب الله محذرًا من التعامل بالتعاملات الربوية؛ حيث قال - تعالى -: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ [الحشر: 7].

المبحث الثالث: مظاهر الفقر:
لو أردنا أن نستَقصِي معلومات متعدِّدة عن بلاد إسلاميَّة داهَمَها الفقر، فسنجد عجبًا من الحقائق المُثِيرة، فالفقر كان وراء 90 % من أسباب طلاق اليمنيَّات[30]، وثلث العائلات الجزائريَّة فقيرة[31]، وأنَّ 73 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر، كما أنَّ أكثر من ثلث سكان الوطن العربي يُقِيمون في أقطار منخفضة الدخل[32]، وأنَّ عشرة ملايين لا يحصلون على الغذاء الكافي، بل صنَّفت الأمم المتحدة 25 دولة من الدول التي تقع في خطِّ الفقر معظمها في العالم الإسلامي، وتصل مشكلة الفقر في 6 دول عربية، وهي: (اليمن - الصومال - جيبوتي - جزر القمر - موريتانيا - السودان) إلى 50 % حسب مقياس الفقر العالمي، وفي فلسطين وصلتْ درجة الفقر إلى نسبة 70 %، وأنَّ أغلبيَّة فقراء العالم من النساء.

وقد أكَّدت المديرة التنفيذية لصندوق الأمان لمستقبل الأيتام مها السقا في الأردن أنَّ عدد الأيتام الذين يعيشون تحت خط الفقر في الأردن بلغ 28 ألف يتيم؛ منهم (6700) يتيم تتراوح أعمارهم من (18 - 21) عامًا، حيث قام الصندوق خلال العام الماضي بتغطية نفقات تعليم ألف يتيم منهم، بالإضافة إلى الفئات المُستَهدَفة التي قام الصندوق بتغطيتها خلال العام 2009م.

ونقل المرْكز عن تقرير الأُمَم المتَّحِدة الخاص بالتنمية البشرية أنَّ 14 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر، بينهم 4 ملايين لا يجدون قوت يومهم، لتبقى مصر في المركز 111 بين دول العالم الأكثر فقرًا، مشيرًا إلى أن أغلب الفقراء في مصر يعيشون في محافظات الوجه القبلي؛ حيث تبلغ نسبة الفقراء فيها حوالي 35,2 % من إجمالي عدد السكان، بينما تنخفض نسبة الفقراء بالوجه البحري لتصل إلى 13,1 %.

وقد ذكرت دراسة أكاديمية عراقية أنَّ 10 ملايين عراقي يُعانُون من الفقر، ويَعِيشون في ظلِّه ويتأثَّرون بثقافته، وينتجون سلوكياته وفقًا لهذا التأثر، ويبتعدون بواسطته عن المشاركة والحراك الاجتماعي، وهذا الرقم الكبير مرشَّح للزيادة مُستقبلاً.

وفي تقريرٍ صدر في سورية الذي تطرَّق إلى سياسات التوزيع للدَّخل القومي في سورية؛ حيث أشار عام 1996 - 2003 م إلى أنَّه لم يتمكَّن ما يزيد عن 2 مليون سوري من السكَّان من الحصول على حاجاتهم الأساسية من المواد الغذائية وغير الغذائية، وأنَّ الفقر يرتفع في سورية إلى 13 % ليشمل 3,5 مليون شخص، وأنَّ الفقر انتشر بشكل عام في المناطق الريفيَّة أكثر من مناطق الحضَرية 62 % في المناطق الريفية[33].

وقد أظهرت الدراسات في الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة من خلال تقرير رصد الفقر إلى ارتفاع حدَّة الفقر، وذلك حسب مسح دخل ونفقات الأسرة عام 2004، نحو 5,3 ملايين شخص؛ أي: بنسبة 30,13 % من مجموع السكان[34].

ودولة جزر القمر تلك الدولة الإسلامية، ورغم أنها ليست عربية، إلا أنها ضمن جامعة الدول العربية، وتُعَدُّ ثالث أفقر دولة في العالم، وهي من أجمل الجزر الإفريقية، فإنَّ 97 % من سكان جزر القمر مسلمون، وهم فقراء جدًّا، ويمكن أن يعمل شخص براتب 15 دولار فقط.

وتعاني جزر القمر من النقْص في المساجد والمنشآت الدينية، بالرغم من أنَّ أهلها مسلمون، وأطفالها حفَّاظ للقرآن، ويُعانِي أهلها من فقْرٍ شديدٍ.

ومشكلة الفقر تظهر بصورة واضحة في ستِّ دول عربية هي: اليمن، والصومال، وجيبوتي، وجزر القمر، وموريتانيا، والسودان؛ حيث إنَّ نسبة الفقر في هذه الدول تصل إلى 50 % حسب مقياس الفقر العالمي!

لقد أظهرت دراسة أجراها معهد "أندرياس باباندريو" اليوناني الشهير على شبكة الإنترنت، وشارَك فيها 25 ألف شخص من 175 دولة، أظهرت أنَّ أكثر ما يُقلِق شعوب العالم هو الفقر وتدهور البيئة، ويكفي أن نقول: إنَّه "قد أثَّر الفقر المُدقِع في أخلاق كثيرٍ من المسلمين وسلوكيَّاتهم، فتفشَّت فيهم أمراض خلقية عديدة؛ مثل: الذل، وفقْد الثقة في النفس، ومثل: الرشوة، والتحايُل، والحسد"[35].

المبحث الرابع: طرق العلاج:
يقول علماؤنا: "التصرُّف ناتج عن التصوُّر"، فمَن أحسن التصوُّر للشيء فقد أدرك حسن العمل، ومَن أساء التصوُّر له فقد أساء التصرُّف.

لقد عالَج الإسلامُ الفقرَ معالجةً واضحة؛ فالشخص حينما يحنث في يمينه، فكفَّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الحانث أهله أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وكذلك في كفَّارة الظهار فكفارته تحرير رقبة، فمَن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمَن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، وحينما يعجز عن أداء فريضة الصوم لسقم أو مرض أو كِبَر، فإنَّه يفطر ويُطعِم عن كلِّ يوم مسكينًا، وحينما يرتَكِب الحاج محظورًا من محظورات الإحرام، فعليه دم فدية، يقدِّمه للفقراء والمساكين.

ما يدلُّ على أنَّ الإسلام اعتنى عنايةً فائقة بالفقراء والمُعوِزين والمحتاجين، ولكنَّه مع ذلك لم يجعل لهم الأخذ من الناس ديدنًا، بل هنالك طرق عديدة شرعية ومشروعة لمعالجة الفقر والاستفادة منها، وذلك من قبيل:

1 - الالتجاء بالدعاء لمالك الأرض والسماء:
فلقد حثَّ الإسلام على الدعاء بطلب الغِنَى، وجاءت في ذلك النصوص الكثيرة عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد كان من دعاء رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم إني أسألك الهدى والتُّقى، والعَفاف والغِنَى))[36]، ومن أدعية الصباح والمساء: ((اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً صالحًا متقبلاً))[37]، وكذلك جاء الحثُّ على الدعاء بالاستعاذة من الفقر، بل قرنه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في تعوُّذه بالكفر؛ فعن أبي بكر مرفوعًا: ((اللهمَّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت))؛ رواه أبو داود.

ونرى تلك المحاربة واضحة في مثل قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منَ الجوع؛ فإنَّهُ بئسَ الضَّجيعُ))؛ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضِي الله عنه.

وجاء كذلك الدُّعاء من الاستعاذة بفتنتَي الغِنَى والفقر؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يتعوَّذ: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، ومن عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة الغِنَى، وأعوذ بك من فتنة الفقر))؛ رواه البخاري.

ومع هذا، فإنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد عانَى من الجوع والفقر، حتى لقد ربَط على بطنه الشريف حجرَيْن؛ لكي لا يشعر بألم الجوع وقرقرة البطن أثناء حفره هو وصحابته الكِرام للخندق في غزوة الأحزاب، بل كان لا يُرِيد من هذه الدنيا كثيرًا إلا لِمامًا؛ ولهذا نجده - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدعو الله فيقول: ((اللهم اجعلْ رزقَ آلِ محمَّدٍ قوتًا))؛ متفق عليه.

2 - الإيمان بالله وتقواه واستغفاره:
وإنَّ هذا مِن أعظم الحُلُول النافعة لعلاج مشاكل الفقر، والنصوص على ذلك متواترة شاهدة بصدق ما نقوله، ويوضح ذلك عدد من آيات الذكر الحكيم؛ حيث يقول الله - تبارك وتعالى -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 65 - 66].

ويقول - تعالى -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].

والتوبة والاستغفار للعزيز الغفار سببٌ لإغداق النِّعَم؛ فالله - تعالى - يقول: ﴿ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 12].

ويقول - تبارك وتعالى -: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2 - 3].

ولقد ورَد حول هذه الآية حديثان يَدُلاَّن على مضمونها:
فأمَّا الأوَّل: فهو الحديث الذي يرويه الصحابي الجليل أبو ذرٍّ - رضي الله تعالى عنه - قال: جعَل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتلو هذه الآية: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2 - 3]، قال: فجعل يردِّدها حتى نعست، فقال: ((يا أبا ذرّ، لو أنَّ الناس أخذوا بها لكفتهم))[38].

وأمَّا الثاني: عن جابر بن عبدالله - رضي الله تعالى عنهما - قال: نزلت هذه الآية: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2 - 3] في رجلٍ من أشجع، كان فقيرًا، خفيف ذات اليد، كثير العِيال، فأتى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسأله، فقال له: ((اتَّقِ الله واصبر))، فرجع إلى أصحابه فقالوا: ما أعطاك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ فقال: ما أعطاني شيئًا، وقال لي: ((اتَّقِ الله واصبر))، فلم يلبث إلا يسيرًا، حتى جاء ابنٌ له بغَنَمٍ له كان العدوُّ أصابوه، فأتى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسأله عنها وأخبره خبرها، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلها))، فنزلت: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2 - 3][39].

يقول السخاوي في كتابه "المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي" - بعد أن ذكر نصَّ رسالة النووي إلى نائب السلطنة بدمشق يطلب منه جمع الناس للاستسقاء -: ولما وصلت الرسالة لوليِّ الأمر - وفَّقه الله تعالى - أمر محتسب البلد فنادَى ساعته في الناس بصيام ثلاثة أيام، أولها يوم الاثنين، الثاني عشر من جمادى الأولى المذكور، وبالصدقة والمعروف ومصالحة الأعداء، وغير ذلك ممَّا هو من آداب الاستسقاء، ثم خرج ولي الأمر والناس يوم الخميس، الخامس عشر من الشهر المذكور، واستسقوا، ثم سقوا بعد ذلك بتسعة أيام سقيًا عامًّا، وترادَفت أمطار كثيرة، بعد أن حصل لكثيرٍ من الناس قنوط، فللَّه الحمد على نعمه والتوفيق لإظهار شعائر دينه، ومتابعة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والاعتناء بسنّته، ومسارعة المسلمين إليها.

وكتب وليُّ الأمر إلى نوَّابه في البلدان يأمرهم بالاستِسقاء في اليوم الذي يستسقي فيه أهل دمشق، فامتثلوا أمرَه في ذلك، فسقوا كلهم في بلدانهم في الوقت المذكور، ثم وقعت في البلدان ثلوجٌ كثيرة لم يُرَ في تلك السنين مثلها، وأبطل تضمين الحانات والخمور، وأُرِيقت على كلِّ مَن وجدت عنده في دمشق وسائر بلاد الشام، ورفعت المنكرات - ولله الحمد - رفعًا تامًّا، بعد أن كانت شائعة أفحش الشياع، وذلك في ربيع الآخر من السنة، ثم جعَل الله الكريم في الغلات أنواعَ البركات، وأخصبت الغلات في جميع بلاد الشام إلى حدٍّ لم يُعهَد مثْله من نحو ثلاثين سنة، ثم أعقب ذلك رخص - لكثرة الغلات - لم يُعهَد مثلُه من نحو خمس عشرة سنة، حتى بِيعَت غرارة القمح بثلاثين درهمًا وبأربعين وما بينهما، والشعير بأربعة عشر درهمًا، وقلَّت رغبة الناس في الغلات لكثرتها - ولله الحمد والمنة".

3- حثُّ الناس على العمل والسعي لتطلب الرزق:
لقد حثَّ الشارع الحكيم على المُضِيِّ في التكسُّب والعمل، بل قرَن مَن يفعَل ذلك بِمَن يُجاهِد في سبيل الله لقتال الكفار؛ فقال - تعالى -: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل: 20]، بل حثَّ الشارع الحكيم على ذلك؛ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان، إلاَّ كان له به صدقة))[40].

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:: ((ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود كان يأكل من عمل يده))[41].

وقد كان رسول الهدى - صلَّى الله عليه وسلَّم - خيرَ مثالٍ لتعليم الناس السعي في طلب الرزق، ولو وقَفنا عند هذا الحديث لوجدنا فيه الفوائد الكثيرة والدروس المهمة، فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس، خيرٌ له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منَعَه، ذلك بأنَّ اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى))؛ أخرجه مسلم، وحين جاءَه رجلٌ يطلب منه - عليه الصلاة والسلام - مالاً ويشكو إليه داء الفقر وقلَّة ذات اليد، صنع – عليه الصلاة السلام - موقفًا إيجابيًّا، وحوَّل فيه النِّقمة إلى نعمة؛ فعن أنس بن مالك أنَّ رجلاً من الأنصار أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يسأله فقال: ((أمَا في بيتك شيء؟))، قال: بلى، حِلْس - الحلس: كساء يوضع على ظهر البعير أو يفرش في البيت تحت حر الثياب - نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب - والقعب: القدح - الإناء - نشرب فيه الماء، قال: ((ائتني بهما))، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: ((مَن يشتري هذين؟))، قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، وقال: مَن يَزِيد على درهم؟ - مرتين أو ثلاثًا - قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال: ((اشترِ بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخَر قدومًا فائتني به))، فشد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عودًا بيده ثم قال له: ((اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا))، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نكتةً في وجهِك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدقِع - والفقر المدقع: الشديد، وأصله من الدقعاء وهو التراب، ومعناه: الفقر الذي يُفضِي به إلى التراب؛ أي: لا يكون عنده ما يتقي به التراب - أو لذي غرم مفظع - والغرم المفظع: أن تلزمه الدية الفظيعة الفادحة، فتحل له الصدقة ويُعطَى من سهم الغارمين - أو لذي دم موجع - الدم الموجع: كناية عن الدية يتحمَّلها، فترهقه وتوجعه، فتحل له المسألة فيها)))[42]، فهو هنا - عليه الصلاة السلام - صنع له البديل الأفضل، والطريقة المثلى لعلاج ما به من فقر وفاقة، وكما يقول المثل الدارج: "لا تطعمني كلَّ يوم سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد".

مع أنَّه - عليه الصلاة والسلام - بإمكانه أن يقول له: يجب عليك ألاَّ تكثر السؤال، وينبغي عليك أن تعمل، ولا بدَّ أن تفكِّر في حلِّ مشكلتك، ويلزمك... إلى غير ذلك من العبارات بدون تقديم حلول واقعيَّة، وخطط عمليَّة.

1– الزكاة:
لعظَمِ أهمية الزكاة فإنَّ من بين ستة آلاف آية في القرآن الكريم، اختصَّت اثنتان وثمانون منها بالزكاة، وذلك بخلاف أحاديث سيدنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وهناك شروط ضرورية لضمان نجاح الزكاة في التطبيق المعاصر، وخصوصًا إذا قامت عليها مؤسسة، ومن الشروط المهمَّة لكي تنجح الزكاة في تحقيق أهدافها وآثارها:
1- الأخْذ بنظرية الموسعين في إيجاب الزكاة تحت الضوابط الشرعيَّة في هذه المسألة.
2- تحصيل زكاة الأموال ظاهرة وباطنة.
3- حسن الإدارة التي تُشرِف على جباية الزكاة وتوْزيعها.
4- حسن التوزيع وقيامه على أسس سليمة، بحيث لا يُحرَم من الزكاة مَن يستحقُّها ويأخذها مَن لا يستحقها، أو يأخذ المستحق ما لا يُغنِي، أو يأخذ الأحسن حالاً، ويترك الأشد حاجة"[43].

ولهذا فقد كان كبارُ الاقتصاديين المسلمين يدعون لعلاج مشكلة الفقر في المجتمعات الإسلاميَّة عن طريق نظريَّة الزكاة لعلاج الفقر، ومنهم الدكتور محمد شوقي الفنجري، وحين سأله أحد الصحافيين: البعض يرى في قصر علاج مشكلة الفقر على أموال الزكاة تشجيعًا للكسالى على عدم العمل، فما ردُّكم؟

فأجاب: "الإسلام لم يشجع أبدًا على الكسل وعدم العمل، بل حثَّنا على الإنتاج، ولكن ماذا يفعل مَن لا يقدر على العمل لأسباب خارجة عن إرادته كعجز أو شيخوخة؟ هذه هي الفئة التي تستحقُّ الزكاة، والتي يجب على كلِّ مسلم ثري أن يُعطِيَها من ماله ما يضمن لها حدَّ الكفاية؛ أي: المستوى اللائق للمعيشة، وليس مجرَّد الكفاف"[44].

2- ضرورة تفعيل شبكات التكافل الاجتماعي الأهليَّة:
إنَّ تحقيق مبدأ التكافُل الاجتماعي على مستوى المجتمع، وتحقيق هذه العدالة مع دعْم الجمعيات الخيرية الإسلامية لإغاثة الشعوب الفقيرة، لَهو من أنجح الخطط لنشْر الإسلام، وإلا فسيكون الفقر والمرض هما الطُّعم لتلك الدول للوقوع في شباك التنصير.

وذلك لأنَّها أكثر كفاءة من الشبكات الحكومية، وتُقاس كفاءة شبكات التكافُل الاجتماعي من ثلاث زوايا:
مدى قدرتها على جباية الموارد المستحقَّة، واستيعابها في أنظمتها المالية والإدارية.
تكاليف إدارة هذه الشبكات، ونسبة التكاليف إلى الموارد المالية.
مدى كفاءة الشبكات في توصيل المراد إلى مستحقيها[45].

3- إنشاء صندوق لعلاج الفقر:
وذلك ليكون هذا الصندوق في كلِّ دولةٍ من الدول الإسلامية مُعِينًا للفقراء في قضاء حوائجهم والصرف عليهم، ومحاولة تشغيلهم قدر الإمكان، بدل أن يكون الأمر فقط مجرَّد صدقات وأعطيات تصبُّ في جيوب الفقراء فيصرفونها، ولا يتعلَّمون كيف يقتاتون، ولا يدخلون في مخارط العمل ودواليب الشغل.

وممَّا يُساعِد على تنمية صندوق مكافحة الفقر القيامُ بحملات تبرُّع خيرية، هدفها معالجة ظاهرة الفقر في العالم الإسلامي؛ بحيث تُوجَّه تبرُّعات القادرين من المسلمين لكلِّ الفقراء، وإحياء ثقافة الوقف داخل المجتمعات الإسلامية، مع تشجيع وتحفيز رجال الأعمال على عمل وقفيَّات يعود ريعُها على الفقراء.

4- تكفُّل الأغنياء ببعض الفقراء:
يقول الإمام ابن حزْم: "وفرضٌ على الأغنياء من أهل كلِّ بلدٍ أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم، فيُقام لهم ممَّا يَأكُلون من القوت الذي لا بُدَّ منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يُكِنُّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة"[46]، وإنَّ مثل هذا التكفُّل أو كفالة الأغنياء للفقراء لا بُدَّ وأن يصل إلى درجة حدِّ الكفاية، ولقد قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: "إذا أعطيتم فأغنوا"، وقول الخليفة الرابع علي بن أبى طالب - رضي الله عنه -: "إنَّ الله فرَض على الأغنياء في أموالهم بقدرِ ما يَكفِي فقراءَهم".

ويقول الإمام الماوردي: "فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يُخرِجه من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى"[47]، كما يقول: "تقدير العطاء معتبر بالكفاية"[48].

ويقول الإمام السرخسي: "وعلى الإمام أن يتَّقي الله في صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيرًا إلا أعطاه من الصدقات - أي: أموال الزكاة ببيت المال - حتى يغنيه وعياله، وإن احتاج بعضُ المسلمين وليس في بيت المال من الصدقات شيء، أعطى الإمام ما يحتاجون من الأموال الأخرى ببيت المال"[49].

ويقول الإمام ابن تيميَّة: "الفقير الشرعي المذكور في الكتاب والسنة الذي يستحقُّ من الزكاة والمصالح ونحوها، ليس هو الفقير الاصطلاحي الذي يتقيَّد بلبسة معينة أو طريقة معيَّنة، بل كل مَن ليس له كفاية تَكفِيه وتَكفِي عياله فهو من الفقراء والمساكين"[50].

5- استِنهاض الأمَّة كلها للاستِفادة من مواردها:
ونقصد بذلك كلَّ الأمَّة؛ حكامًا ومحكومين، مثقَّفين وعامَّة، وذلك لئلاَّ يكون ديدن بعض الناس احتقار أو التقليل ممَّا لدى الأمَّة والدول المسلمة من كفاءات، فنحن لدينا مواد خام تجعلنا من أغنى الأغنياء، ولكن نحن في حاجةٍ لاستِغلال هذه الموارد.

6- ضرورة التكامل الاقتصادي الإسلامي:
يلخِّص عمر بن الخطاب ذلك بقوله: "ما من أحدٍ إلاَّ وله في هذا المال حقٌّ، الرجل وحاجته، الرجل وبلاؤه (أي: عمله)"، ثم في قوله: "إني حريص على ألاَّ أدع حاجةً إلاَّ سددتها ما اتَّسَع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا آسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف".

ولذلك وجدنا أنَّ هذه السياسة العمريَّة الراشدة آتَتْ أكلها؛ ففي "تاريخ الخلفاء" يذكر السيوطي: "قال عمر بن أسيد: والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، وقد أغنى عمرُ الناس".

ولقد طُبِّقت أحكام التكافُل الاقتصادي في صدر الدولة الإسلامية وتحقيق الخير للمسلمين جميعًا، والنموذج العملي لذلك عندما نادى عمرُ بن الخطاب عمرَو بن العاص في مصر وقال: واغوثاه، فأجابه عمرو بن العاص بقافلةٍ من الطعام والشراب أولها الفسطاط وآخرها المدينة المنورة.

إنَّ دول الخليج تمتاز بأموالها، ودولة مصر الشقيقة تمتاز برجالها وكثرة الأيدي العاملة، والسودان يمتاز بخصوبة أرضه ووجود قرابة 200 مليون فدان صالح للزراعة، والباكستان كذلك، ففي العالم الإسلامي إذًا عناصر الإنتاج التي تُبعِدنا عن خط الفقر - بإذن الله - وهي: العمل - رأس المال - الموارد الطبيعية - المنظم والأسس الإدارية.

7- العمل على تحرير العملات النقدية في البلاد الإسلامية من التبعية المعلقة بالدولار الأمريكي:
لكلِّ عملٍ نتائجُه وإيجابيَّاته وسلبيَّاته - كما لا يخفى - وإنَّ عمليَّة فكِّ ارتِباط عملة الدول العربية والإسلاميَّة قد يكون فيها نوعٌ من السلبيَّة في بداية فكِّ هذا الارتِباط، والذي يؤثِّر نوعًا ما على الاقتِصاد العام للدُّوَل العربيَّة والإسلاميَّة؛ إذ إنَّ فكَّ الارتِباط الحالي بالدولار يكلِّف الاقتصاد الإسلامي والدول الخليجية مثلاً الكثير؛ بسبب دفعها الفوارق السعرية ما بين الدولار والعملات الأخرى، ولكنَّنا بحاجةٍ إلى أن يفكِّر الساسة بما يخدم مَصالِح الدُّوَل الإسلاميَّة والعربيَّة؛ ليكون على الأقل بداية التدرُّج في التغيير بارتباط العملات بالدولار، وذلك بأن يكون هنالك فكٌّ لهذا الارتِباط في البداية جزئيًّا رويدًا رويدًا؛ لكي يكون هنالك فكٌّ كامل، وخاصَّة حين أُطلِق اليورو ليصبح عملة دوليَّة يمثِّل كتلة اقتصاديَّة من أقوى الكُتَل في العالم.

إنَّ فكَّ ارتِباط كثيرٍ من عملات الدول العربية والإسلامية بالدولار من شأنه أن يكون له دورٌ أكيد في تقليل عمليَّة التضخُّم النقدي، بل إنَّ هذا الفكَّ سيرفع سعر العملات النقدية العربية والإسلامية كنتيجةٍ طبيعية لاستقلاله السعري.

8- دراسة التجربة الماليزية في تخفيف نسبة الفقر:
"فقد استَطاعت ماليزيا خلال ثلاثة عقود (1970 - 2000م) تخفيض معدَّل الفقر من 52,4% إلى 5,5%، وهو ما يعني أنَّ عدد الأسر الفقيرة تَناقَص بنهاية عقد التسعينيَّات إلى أكثر من ثلاثة أضعاف عمَّا كان عليه الحال في عقد السبعينيات، ويتوقَّع إذا استمرَّت جهود الحكومة في محاربة الفقر على نفس الوتيرة أن يصل معدَّل الفقر بحلول العام 2005 حوالي 0,5%، ويكون الفقر المدقع قد تَمَّ القضاء عليه قضاءً مبرمًا"[51].

وتقوم فلسفة التنمية في ماليزيا على فكرة أن "النمو الاقتصادي يقود إلى المساواة في الدخل"؛ وعليه؛ فإنَّ مكاسب التطوُّر الاقتصادي يجب أن تنعكس إيجابيًّا على المواطنين في تحسين نوعيَّة حياتهم بما يَشمَل توفير الضروريات من الغذاء والعلاج والتعليم والأمن، وأن يكون أوَّل المستفيدين من هذا النموِّ الاقتصادي هم الفقراء والعاطلون عن العمل والمرضى والمجموعات العرقية الأكثر فقرًا في المجتمع والأقاليم الأقل نموًا[52].

"ولكي تتحقَّق عمليَّة التكامل الاقتصادي، فلا بُدَّ من اتِّخاذ عدَّة خطوات، منها: أولويَّة التعامُل مع الدول الإسلامية وفقًا لفقه الأولويَّات، واستِثمار أموال المسلمين في بلاد المسلمين، وتحقيق الأمن الشرعي للمال؛ ليؤدِّي وظيفته التي خُلِق من أجلها، والأولويَّة في فرص العمل للمسلمين؛ لعلاج مشكلة البطالة، ورفع قيود التجارة وما في حكمها بين الأقطار الإسلاميَّة، وإنشاء الوحدات الاقتصاديَّة الكُبرى بمساهمة الدول الإسلاميَّة، والتدرُّج في تطوير وتوحيد السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية بين أقطار الدول الإسلامية، وإنشاء نظام المعلومات الاقتصادية وشبكات الاتِّصالات الاقتصاديَّة بين الأقطار الإسلاميَّة، والتفكير في تحرير العملات النقديَّة في البلاد الإسلامية من التبعيَّة المطلقة للدولار الأميركي، ومن المؤكَّد أنَّ الفكر والتراث الإسلامي تضمَّن نماذج من نُظُمِ التكامل الاقتصادي الإسلامي، يُمكِن إحياؤها لتقوم بدورها المُعاصِر في تحقيق التكامُل الاقتصادي بين الدول العربية والإسلامية؛ منها: نظام السوق الإسلامية المشتركة، ونُظُم المشاركات في المشروعات الاقتصاديَّة المهمَّة، ونُظُم التبرُّعات والمساعدات الاقتصاديَّة، ونظام زكاة المال، والقروض الحسنة، والوقف الخيري، والتعويضات وقت الأزمات... وغيرها"[53].

احذروا من ثورة الفقراء:
إِذَا قَلَّ مَالُ الْمَرْءِ قَلَّ بَهَاؤُهُ  --- وَضَاقَتْ عَلَيْهِ أَرْضُهُ وَسَمَاؤُهُ
وَأَصْبَحَ لاَ يَدْرِي وَإِنْ كَانَ دَارِيًا   --- أَقُدَّامُهُ خَيْرٌ لَهُ أَمْ وَرَاؤُهُ
 
"لقد أصبح العالم جزيرة أغنياء تُحِيط به بحار الفقراء"، إنَّها مقولةٌ رَنَّانةٌ كان يقولها رئيس جنوب إفريقيا "مبيكي" التي ألقاها في خطابه بمناسبة مؤتمر الأرض الذي أُقِيم بالعاصمة جوهانسبورغ: "أصبح العالم جزيرة أغنياء تحيط به بحار الفقراء".

ولأجل ذلك فلا بُدَّ أن تنهَض هبَّة حكوميَّة وجماهيريَّة شعبيَّة لمحاولة التخفيف من وَعْثاء الفقر، فإنَّ في ذلك تخفيفًا لحِدَّة الاحتِقان الذي تغَذَّتْ به الشعوب الفقيرة ضدَّ حُكَّامها، ولقد تكلَّم خُبَراء ومُتخصِّصون في خطَر ثورة الفقراء المسلَّحة؛ بسبب ما يُعانُونه من فقر وجوع وتهميش، فقال الدكتور عزت حجازي أستاذ علم الاجتماع: الفقراء لا يعانون الفقر المادي فقط، وإنما يعانون مشكلات اجتماعيَّة ونفسيَّة، مؤكِّدًا أنَّ هناك كثيرين انتَحروا بسبب الفقر، ومنهم مَن انحرَف بسبب شعوره بالتهميش.

واتَّهمت الدكتورةُ عواطف عبدالرحمن أستاذُ الصحافة بكليَّة الإعلام جامعة القاهرة الدولةَ بسياستها الحاليَّة، بأنها المسؤولة عن تكريس الفقر التقليدي، وإيجاد نوع جديد يُسَمَّى "الإفقار"، محذِّرة من خروج "الفقر المسلَّح" إلى الشارع في حال عدم مواجهة قضايا الفساد والإفساد الذي نَعِيشه.

ولأجل هذا فمن المهمِّ بمكانٍ أن تكون هنالك تحرُّكاتٌ واسعة وميدانية للوقوف مع الفقراء، ولقد كان الشعار العالمي (الذي أُجمع عليه لجميع تحرُّكات النداء العالمي لمكافحة الفقر لسنة 2007) هو: انهض وانتفض، يتبعه مطلب سياسي مُناسِب للسياقات المحلية والإقليمية، إنَّ ذلك يستكمل تحرُّك "انهض" للعام 2006 في حين نؤكِّد على كوننا "ننتَفِض" من خلال مطالب تدبيريَّة فعَّالة؛ بغية صقل نفوذنا السياسي).

لقد كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((ما آمنَ بي مَنْ باتَ شبعان وجارُه إلى جنبه جائع، وهو يعلمُ))؛ رواه البزَّار والطبراني في "الكبير" عن أنس - رضِي الله عنه.

فويل لِمَن نسي جاره وجوعه، وفقره ومسكنته، وانغمس في ترف الحياة الدنيا، واستمتع بزينتها وهو يسمع تأوُّهَ جاره، ولا يكاد يستمع إليه أو يُشفِق عليه أو ينظر في أمره، ولقد ذَمَّ الله - تعالى - المُترَفِين والمتنعمين بأصناف الطعام والشراب واللباس في حياتهم الدنيا ولَهْوهم عن غيرهم؛ فقال :﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾ [الأحقاف: 20].

وعن أمثال أولئك قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أولئكَ قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتُهم في حياتهم الدُّنيا، ونرجُو أنْ تكونَ لنا الآخرةُ))؛ رواه مسلم.
خبَّاب بن مروان الحمد
-----------------------------------------
[1]"لسان العرب": (7 / 176).
[2]"المعجم الوجيز": (348 - 349).
[3] "لسان العرب": (11 / 179 - 180).
[4] "المعجم الوجيز": ص503.
[5] "لسان العرب": (357).
[6] المشكلات الاقتصاديَّة العامَّة والخاصة وانعكاساتها على الأسعار في دولة نامية على هذا الرابط:
http: / / www.yek-dem.com / moxtarat=1-12-6-2004.htm
[7] "النظام الاقتصادي في الإسلام"؛ لمدرس المادة أحمد الحربي، مذكرة خطية مكتوبة بخط اليد، ص1.
[8] "دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصاديَّة"؛ تأليف د. يوسف القرضاوي.
[10] أخرجه الإمام أحمد برقم (1948)، والنسائي في "سننه" برقم (9766)، وقال ابن حجر: حسن وله شاهد ("توضيح الأفكار": 2 / 389)، وقال العيني: صحيح ("عمدة القاري" 8 / 211)، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي" (5480).
[11] قال العراقي (3 / 163): "رواه أبو مسلم الكشي والبيهقي في "الشعب" مِنْ رواية يزيد الرقاشي عن أنس، ويزيد ضعيف"، وضعَّفَه الألباني في "مشكاة المصابيح" برقم (4979)
[12]"فيض القدير"؛ للمناوي.
[13] أخرجه النسائي برقم 5373، وأخرجه أبو داود برقم 1546، وقال النووي في "الأذكار" ص484: إسناده صحيح، وحسَّنه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (3 / 88)، وحسَّنه الألباني في "صحيح أبي داود" (1547).
[14] أخرجه أبو داود برقم: (1544)، وقال الذهبي في "السير" 15 / 492: إسناده قوي، وحسَّنه ابن حجر في "تخريج مشكاة المصابيح" 3 / 21، وصحَّحه أحمد شاكر في "المسند" 15 / 196، وانظر: "صحيح الجامع الصحيح" رقم: 1287
[15] تقرير الأمم المتحدة سنة 1997م.
[16] "الحرمان والتخلُّف في ديار المسلمين" ص23؛ للدكتور نبيل الطويل، قطر، سلسلة كتاب الأمة، الطبعة الأولى عام: 1404هـ.
[17] "الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي"؛ تأليف عبدالرزاق الفارس، 2001، ص21.
[18] تعليق الإمام القرطبي على آية: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾ عند تفسيره لهذه الآية برقم (268) في سورة البقرة.
[19] الحديث أخرجه جماعةٌ من المحدِّثين عن ثوبان بألفاظ متقاربة، فقد أخرجه الحاكم في ("المستدرك" برقم 1814، ورقم 6038) وصحَّحه، وأخرجه ابن حبان في ("صحيحه" برقم 872) وصحَّحه، وأخرجه ابن ماجه في ("السنن" برقم 90، ورقم 4022)، وأخرجه الإمام أحمد في ("المسند" برقم 22440، ورقم 22466، ورقم 22491)، وحسَّنه ابن حجر في "تخريج مشكاة المصابيح": (4 / 411) وحسَّنه العراقي، وصحَّحه البوصيري.
[20] أخرجه أبو نعيم في "الحلية"، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع" (2085).
[22]ينظر لمقال: "الفقر أكثر قسوة في يوم الفقير العالمي"، على هذا الرابط:
http: / / www.diwanalarab.com / spip.php?article11024
[23] د. علي عقلة عرسان، رئيس اتِّحاد الكتَّاب العرب، دمشق، انظر: "الأسبوع الأدبي"، العدد رقم 602 الصادر بتاريخ 14 / 3 / 1998، ص19.
[24] "مكافحة الفقر فريضة إسلامية غائبة"؛ بقلم: نعيمة عبدالفتاح ناصف، انظر الرابط:
http: / / www.alukah.net / Culture / 0 / 943 /
[25] "أي مستقبل للجزيرة العربية في زمن الاحتكارات"، مقال منشور للدكتور النفيسي، ورابطه:
http: / / www.alasr.ws / index.cfm?method=home.con&ContentId=7491
[26] "الأمة وإستراتيجية المركز والأطراف"؛ بقلم: ياسر الغرباوي، ورابطه:
http: / / www.aljazeeratalk.net / forum / showthread.php?t=10951
[27] نقلاً عن مقال: "بترول السودان وأمن البحر الأحمر"؛ لعمرو كمال حمودة، المنشور في "الشرق الأوسط"، عدد 9172.
[28] نهضة الشرق تبدأ بفكِّ تحيزات الغرب، مقال منشور في إسلام أون لاين، ورابطه:
http: / / www.islamonline.net / servlet / Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News / NWALayout&cid=1172571435482
[29] "الاكتساب في الرزق المستطاب"، ص14.
[30] جريدة "القدس العربي" 17 -  18، من جمادي الثاني عام 1426هـ.
[31] كتاب "فقراء الوطن العربي في ازدياد"؛ لعبدالرزاق الفاسي، وهو نائب المدير التنفيذي للبنك الدولي.
[32] "أي مستقبل لفقراء في الوطن العربي"؛ لإسماعيل قيرة.

[33]http: / / www.free-syria.com / loadarticle.php?articleid=23888
[34] منى غانم، الهيئة السورية لشؤون الأسرة، مؤتمر السكان خمس سنوات بعد المؤتمر الوطني للسكان تحديات وإنجازات، 2006، ورقة عمل قدمت في المؤتمر.
[35] "نحو فهم أعمق للواقع الإسلامي"؛ عبدالكريم بكار، ص103.
[36] أخرجه مسلم، برقم: (4898).
[37] أخرجه البخاري، برقم: (5859).
[38] رواه الطبراني والحاكم، وقال: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (3 / 11): إسناده صحيح أو حسن أو ما يقاربهما، وضعَّفه الألباني في "ضعيف الترغيب" (1056).
[39] رواه الحاكم، وقال: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ولكنَّ الصحيحَ ضعفُ هذا الحديث؛ فلقد حكم عليه الزيلعي في "تخريج الكشاف" وقال: فيه عبيد بن كثير، قال فيه الأزدي: متروك، وعباد بن يعقوب رافضيٌّ، انظر: "تخريج الكشاف" (4 / 51).
[40] أخرجه البخاري برقم: (2152).
[41] أخرجه البخاري.
[42] أخرجه أبو داود في "سننه" 2 / 120، والترمذي في "جامعه" (3 / 522) وقال: حسن.
[43] من كتاب "لكي تنجح مؤسسة الزكاة في التطبيق المعاصر"؛ للدكتور القرضاوي، بتصرف شديد.
[44]http: / / www.insanonline.net / print_news.php?id=1628
[45] للمزيد انظر: جريدة "الشرق الأوسط":
 http: / / www.asharqalawsat.com / details.asp?section=6&issue=8681&article=122599
[46] "أصول الدعوة"؛ لعبدالكريم زيدان 246.
[47] "الأحكام السلطانية" ص122.
[48] "الأحكام السلطانية" ص205.
[49] "المبسوط" للسرَخسي (3 / 18)
[50] "مجموع الفتاوى" (8 / 579)
[51] "كيف تهزم الفقر"؛ للدكتور محمد شريف بشير.
[52] "كيف تهزم الفقر"؛ للدكتور محمد شريف بشير.