06‏/11‏/2013

ازمة الموازنة الامريكية

حلول نصفية في انتظار معركة سياسية :


   في الآونة الأخيرة شهدت الولايات المتحدة الأمريكية صراعا شرسا بين الإدارة الديمقراطية والإدارة الجمهورية بشأن الموازنة المالية للعام 2014، كادت ان تدفع البلاد إلى شفا كارثة اقتصادية غير مسبوقة، حيث رفض الحزب الجمهوري عملية رفع سقف الدين الأمريكي ما لم يلغ الديمقراطيون أجزاء في قانون الرعاية الصحية المثير للجدل الذي قدمه الرئيس باراك أوباما.
   لكن وبعد جدل وصراع بين الجانبين توصل الكونغرس الأمريكي في اللحظات الأخيرة إلى اتفاق بإقرار قانون حول إنفاق الموازنة، بعدما تخلى الجمهوريون عن إصرارهم على ربطه بقانون الرعاية الصحية الذي يتبناه أوباما، لينهي هذا القانون إغلاقا جزئيا لوكالات حكومية وينتشل أكبر اقتصاد في العالم من تخلف تاريخي عن سداد الديون كاد أن تضفي تداعياته ازمة مالية كارثية على الاقتصاد الأمريكي والعلمي ، أخذت تصبغ الصراع بين الحزبين على القضايا المالية الحرجة، على النحو الذي يُهدِّد بتدمير ثقة المستثمرين في اقتصاد الأمريكي وتراجع تصنيفه الائتماني، ورغم الخروج من الأزمة بعد إقرار القانون لا تزال الازمة قائمة بشأن الميزانية.

   
وقد أدى الخلاف بين الجمهوريين والبيت الأبيض على تمويل الحكومة إلى تسريح مؤقت لمئات الآلاف من العاملين في وكالات اتحادية إعتبارا من الأول من أكتوبر تشرين الأول وخلق مخاوف من أن تصبح الأزمات الناجمة عن خلافات سياسية هي السمة الجديدة في واشنطن، ورغم استمرار الوظائف الحيوية مثل الدفاع والمراقبة الجوية في العمل أثناء الأزمة فإن المتنزهات الوطنية ووكالات مثل حماية البيئة تم إغلاقها.
لكن بعد اقرار القانون سارعت سيلفيا ماثيوز بورويل مديرة الموازنة في البيت الأبيض مرسوما بعودة الموظفين للعمل وذلك بعد دقائق من توقيع الرئيس أوباما تشريعا يكفل تفادي تخلف الحكومة عن سداد ديونها وإعادة فتح مؤسسات اتحادية أغلقت منذ أول أكتوبر تشرين الأول، حيث قال أوباما بعد أن وافق مجلس الشيوخ على مشروع القانون "لدي المزيد لأتحدث عنه غدا ولدي بعض الأفكار بشأن كيف يمكننا المضي قدما فيما تبقى من العام".
فيما يرى الكثير من المحللين انه بعد دخول الرئيس الأمريكي باراك أوباما الجولة الجديدة من المواجهة على سدة الحكم يبدي الزعيم الديمقراطي زعامة أكثر جرأة منذ إعادة انتخابه، بهدف تكوين -اوباماوية سياسية جديدة- اكثر توازنا داخل النظام الامريكي وبين الأمريكيين ايضا، لكن هذه الاوباماوية ألهبت الصراع مع الجمهوريين بشأن عدة قضايا ابرزها الاقتصاد، فقد اثارت قرارته الاخيرة، جدلا سياسيا حادابين الديمقراطيين الجمهوريين، إذ تحاول إدارة اوباما اليوم رسم إستراتيجية ادارية لامريكا تتواءم مع المعطيات الجديدة.
    
وجسد الصراع الاقتصادية حول أزمة الموازنة المالية التي انتهت بانتصار أوباما على خصومه من الجمهوريين، تحديات وانقسامات حادة بين الديمقراطيين والجمهوريين، فقد سجل أوباما من خلال تلك القضايا نقاط سياسية من شانها ان تلهب الصراع الداخلي في الادارة الامريكية، إذ يرى المحللون بان ممارسات أوباما تظهر الثقة المتزايدة لرئيس يشعر الآن بحرية أكبر في مواجهة كونجرس جديد دون أن تكون لديه أي مخاوف مرتبطة بالسعي لإعادة انتخابه، وكانت فترته الأولى قد شهدت شكاوى من قاعدته الليبرالية من تهاونه الشديد مع الجمهوريين، الا انه اليوم اظهر وجها سياسيا اخر لا يعجب الجمهوريين.
ويرى بعض المراقبين أن أوباما ربما تتملكه الآن ثقة مفرطة في وقت من المفترض أن يسعى فيه لرأب الصدع مع الجمهوريين لحل القضايا العالقة وابرزها أزمة الميزانية وسياسيته الخارجية فضلا عن هيمنته الداخلية على معظم مفاصل الدولة الاقوى عالميا في الميادين كافة.
في الوقت نفسه وضعت الخلافات والتوترات الشرسة بين الجمهوريين والديمقراطيين هواجسا مقلقة على الاقتصاد العالمي، إذ يتعامل اقتصاد الولايات المتحدة مع اقتصاد معظم دول العالم بشكل رئيسي وبالتالي فأنه يتأثر بحالته نموا وتراجعا، وهذا الامر قد ينذر بانكماش جديد ستكون له انعكاسات خطيرة على اقتصاد العالم.
    
وفي الاطار ذاته قال رئيس البنك الدولي جيم يونج كيم "استطاع الاقتصاد العالمي أن يتفادى كارثة محتملة" مع موافقة الكونجرس على إتفاق لرفع سقف الدين الأمريكي البالغ 16.7 تريليون دولار، ووصف السيناتور جون ماكين عضو مجلس الشيوخ-الذي فجر أتباعه من الجمهوريين الأزمة بالمطالبة بحجب التمويل عن قانون إصلاح نظام الرعاية الصحية الذي يتبناه الرئيس أوباما- الإتفاق الذي تم التوصل إليه بنهاية "ملحمة أوديسية مؤلمة" للأمريكيين، وقال ماكين "إن ما حدث يعد واحدا من أكثر الفصول المخجلة التي شهدتها خلال الأعوام التي قضيتها في مجلس الشيوخ"، وكان ماكين قد حذر الجمهوريين من ربط مطالبهم المتعلقة بالرعاية الصحية بسقف الدين أو بقانون الإنفاق الحكومي.
وصوت مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون لصالح مشروع القانون الجديد بأغلبية 81 صوتا مقابل 18 صوتا بينما صوت مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون أيضا لصالح القانون بأغلبية 285 صوتا مقابل 144 صوتا.
   
ورغم أن القانون يمدد سلطة الحكومة الأمريكية في الاقتراض حتى السابع من فبراير شباط فقط إلا أن وزارة الخزانة ستكون لديها أدوات لتمديد الاقتراض مؤقتا بعد ذلك التاريخ إذا أخفق الكونجرس في اتخاذ إجراء في أوائل العام القادم.
    
وبالإضافة إلى رفع سقف الدين الاتحادي فإن القانون يتضمن تشكيل لجنة مشتركة من مجلس النواب والشيوخ تقوم بطرح أفكار لخفض العجز على الأمد البعيد ليوافق عليها الكونجرس بأكمله، ومن المنتظر أن تستكمل تلك اللجنة عملها بحلول 13 ديسمبر كانون الأول.
والجميع مدرك ان تعثرا في السداد سيكون بمثابة كارثة على البلاد غير ان الجمهوريين مصممون على اغتنام هذا الاستحقاق الملح لانتزاع إصلاحات في الميزانية وتحديدا في نظام التقاعد وبرامج الضمان الصحي لما فوق الخامسة والستين من العمر والأكثر فقرا ومنها برنامجا ميديكير وميديكايد، والتي تستهلك 43% من الميزانية الفدرالية، ويرفض اوباما التفاوض تحت ضغط "مسدس مصوب إليه" متهما خصومه بالا مسؤولية .
    
الجمهوريون من جانبهم يعتبرون ان إستراتيجية مماثلة هي التي أرغمت على سبيل المثال بيل كلينتون على الموافقة على تسويات مالية، كما ان اوباما نفسه اضطر في اب/اغسطس 2011 إلى القبول بجدولة اقتطاعات سنوية في الميزانية حتى العام 2021.
وسقف الدين هو "خط ائتمان" أقصى يمنحه الكونغرس منذ 1917 للسلطة التنفيذية التي لا يمكنها في إي من الأحوال تخطيه، غير ان الدولة الفدرالية تواجه عجزا بلغ 3,9% من إجمالي الناتج الداخلي عام 2013 وهي مضطرة إلى مواصلة الاقتراض لتجديد دينها وتمويل نفقاتها، سواء لدفع استحقاقات سندات الخزينة او معاشات التقاعد.
   
ويبقى ان تعثرا ولو جزئيا لأول اقتصاد في العالم سيولد فوضى دولية يصعب التكهن بعواقبها ويراقب المسئولون بقلق في العالم بأسره من الصين إلى أوروبا اختبار القوة الجاري في الولايات المتحدة، من جهتها تتوقع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عودة الانكماش إلى الدول المتطورة في 2014.
من جهته اعتبر وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله في واشنطن ان المسؤولين الأميركيين ليسوا بحاجة ل"دروس" للخروج من المأزق المالي الذي يرهق الاقتصاد العالمي.
فيما حذر البيت الأبيض من سيناريو "رهيب" لن يتمكن فيه اول اقتصاد عالمي من تسديد ديونه في 17 تشرين الأول/اكتوبر، الاستحقاق الذي حذرت وزارة الخزانة من انها ستكون قد استنفدت فيه تدابيرها الموقتة.
     
وترى وزارة الخزانة من ناحيتها ان إي تخلف عن سداد الدين غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة وقد يغرق أول اقتصاد عالمي مجددا في حالة انكماش مع تبعات عالمية. وحذر وزير الخزانة جاكوب لو الاحد من "ان الكونغرس يلعب بالنار".
    
وهذا الخلاف يثير في الواقع اضطرابا متزايدا في الأسواق حيث ان طوكيو أقفلت على الأحمر للجلسة الرابعة على التوالي فيما افتتحت وول ستريت على انخفاض في سياق الأسواق المالية الأوروبية.
وقد اثأر غياب أوباما الاضطراري عن القمة القلق لدى حلفاء الولايات المتحدة والشكوك في قدرة الرئيس الأميركي على تحقيق وعده بجعل آسيا-المحيط الهادئ "محور" سياسته الخارجية، وأثارت تلك الأزمة انزعاج حلفاء الولايات المتحدة ومقرضين مثل الصين أكبر حائز أجنبي للسندات الأمريكية وأثارت تساؤلات حول هيبة أمريكا. وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن الأزمة تهدد بتضرر سمعة البلاد كملاذ آمن للاستثمار ومركز مالي مستقر.
    
وعليه في ظل استمرار الجدل والصراع السياسي بين الحزبين على الاقتصاد مع انعدام الرؤية الاقتصادية الناجعة، يعني هذا الأمر أن الاقتصاد الأمريكي لم يخرج بعد إلى بر الأمان، ليبقى الانتظار في عامنا هذا، لمعرفة كيف ستستطيع أمريكا تطبيق إجراءاتها المالية الجديدة للخروج من أزمتها، مما يعني ان انتهاء الصراع بين الخصوم السياسيين في أمريكا لن يحصل في المستقبل القريب، وما حصل هو تأجيل الصراع لوقت آخر في المستقبل على الأرجح في أوائل العام المقبل.