08‏/02‏/2014

واقع تطبيق البنوك الاسلامية لمقررات لجنة بازل 3



إن معايير بازل 3 جاءت لمعالجة تداعيات الأزمة المالية العالمية، وان هذه المعايير لا تهم المصارف الإسلامية فهي لم تتأثر كثيراً بتداعيات تلك الأزمة على غرار البنوك الغربية الكبرى، لذلك لم تحرص على إصدار مثل هذه المعايير ولكنها ملزمة بالتقييد بها  كي تكون لها مصداقية على المستوى العالمي، ويمكنها الاستفادة منها لتعزيز قوتها ومكانتها المالية، وفي إدارة بعض الجوانب المهمة في العمل المصرفي.[i]
 1-     مدى تأثر المصارف الإسلامية بالأزمة المالية العالمية
إن النظام المصرفي الإسلامي ممثلاً بالمصارف الإسلامية في شتى أنحاء العالم وليس فقط في الدول العربية والإسلامية كان بمنأى عن الأزمة ونتائجها على الصعيد المالي، ففي الوقت الذي نشهد فيه تعرض بعض البنوك في المنطقة لحالات عجز، أو حتى للإفلاس أو لفقدان حجم كبير من السيولة التي يملكها، نجد أن البنوك الإسلامية بقيت خارج دائرة الخطر، بسبب السياسات الائتمانية التي تتبعها والتي تتسم بالمحافظة وتجنب الدخول في أدوات الدين أو أدوات الاستثمار التقليدية، الأمر الذي مكنها من اكتساب استقرار في الودائع لدرجة عالية،وكسب ثقة العملاء في الوقت الذي لا تتوافر فيه هذه الأمور للمصارف التقليدية .
إن البنوك الإسلامية لا يمكن أن يقع عليها تأثير مباشر من الأزمة المالية العالمية، ولكنها برغم ذلك تعيش في عالم يطغى فيه التمويل الربوي على غيره، ولذلك فلا مفر من تأثير الأزمة، ويمكن إجمال تأثير الأزمة المالية العالمية على المصارف الإسلامية بما يلي:[ii]
ü إن البنوك الإسلامية التي تعاملت مع البنوك التقليدية بعقد المرابحة بالسلع الدولية تحمل في ميزانياتها ديونا بالبلايين من الدولارات على بنوك تقليدية عالمية وإقليمية .
ü إ ن البنوك التي تعاملت بالتوريق مع زبائنها وحاملي بطاقات ائتمانها القائمة على قلب الديون عن طريق التوريق تحمل كذلك في ميزانياتها الكثير من الديون المضخَّمة على زبائن معرضين جداً للتعثر بسبب انهيار استثماراتهم في الأسواق المالية المحلية والعالمية، وهذه الديون التورقية هي أيضاً تراكمات مالية محضة تبتعد عن السوق الحقيقية لسببين: أولهما أن التمويل بالتوريق يقوم على خلق ديون كثيرة دون حركة حقيقية للسلع - لأنها غير مقصودة لذاتها- وثانيهما أن التوريق يعمل بطبيعته على تراكم طبقات من الديون بعضها فوق بعض على طريقة الهرم المقلوب، فما التورق إلا تمويل لسداد ديون بديون أكبر منها.
ü  إن البنوك الإسلامية التي استثمرت مبالغ كبيرة في أسواق الأسهم العالمية قد تأثرت أيضا بسبب انهيار هذه الأخيرة كما تأثر عملاؤها وخسروا مبالغ كبيرة أيضا في صناديق الاستثمار بالأسهم. . . مع ملاحظة أن هذه الصناديق كانت موفَّقة بابتعادها عن أسهم القطاع المالي التقليدي وغيره من القطاعات الأكثر تأثرًا بالأزمة .
ü إن البنوك الإسلامية متعرضة أيضا لنفس التأثُّرات التي تتعرض لها البنوك التقليدية مما ينتج عن الصعوبات المالية التي تطرأ على عملائها نتيجة لنقص دخولهم وثرواتهم بسبب تقلص العمالة وتراجع قيمة استثماراتهم المالية.
·بعض مؤشرات الأداء لبعض البنوك الاسلامية:
في الجدول أدناه بعض مؤشرات الأداء قبل وبعد الأزمة المالية العالمية، لعينة من البنوك في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا( 77 بنكا  إسلامي و 210 بنكا تقليدي).

الجدول رقم (05):مؤشرات أداء لعينة من البنوك في دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا

المصدر: طارق الغمراوي، سبل تحقيق التنمية من خلال النظام المصرفي القائم على المشاركة في الربح والخسارة، المركز المصري للدراسات الاقتصادية،ص30.
نلاحظ من الجدول أعلاه أن:
ü القروض إلى الودائع- وهي من أهم مؤشرات الوساطة المالية- أعلى بصورة معنوية في البنوك الاسلامية منها في البنوك التقليدية قبل وبعد الأزمة المالية العالمية.
ü العائد على الأصول أعلى في البنوك الاسلامية قبل الأزمة خلافا لما بعدها، نظرا لتركز نشاط كثير من البنوك الاسلامية في العقارات، والتي تأثرت كثيرا بالأزمة خاصة في دول الخليج، مما ساهم في تأثر البنوك الاسلامية بتداعيات الأزمة على الاقتصاد الحقيقي.
ü نسبة حقوق المساهمين إلى الأصول أعلى في البنوك الاسلامية قبل وبعد الأزمة، وهو ما يعكس انخفاض نسبة التمويل بالديون في البنوك الاسلامية مقارنة بالبنوك التقليدية( الرافعة المالية).
ü  نسبة القروض المعدومة أقل في البنوك الاسلامية قبل وبعد الأزمة إلا أن الفرق غير معنوي احصائيا.
ü كذلك الفرق في احتياطيات القروض المفقودة غير معنوي، إلا أنه يلاحظ زيادته في البنوك الاسلامية بعد الأزمة مما يعكس اتخاذ هذه الأخيرة سياسة احترازية في أعقاب الأزمة لمواجهة انخفاض العائد.
1-     واقع تطبيق البنوك الاسلامية لمقررات بازل 3
تستعد المصارف الإسلامية للدخول إلى الأسواق المصرفية الدولية بكل ثقة بعد أن كسبت مصداقية على المستوى الدولي وتأثرها الطفيف بانعكاسات الأزمة المالية، وأمام هذا الوضع المستجد فإننا نرى أن المعايير الجديدة المتمثلة في بازل 3 أصبحت ضرورية ولا مفر منها للمصارف الإسلامية التي تمتلك فائضا من السيولة لتعزيز مكانتها ومواجهة التحديات المحلية والدولية، ومن هذا الواقع الذي نعرفه عنها فلن يكون هناك أي عوائق أمام تطبيق المصارف الإسلامية لمعايير بازل 3 لعدة مبررات منها: [i]
ü أن المصارف الإسلامية وخاصة الموجودة منها في البلدان العربية سجلت نسباً مرتفعة من كفاية رأس المال تصل أحياناً إلى 18% بسبب سياسات البنوك المركزية المتشددة تجاهها.
ü  كان من أسباب الأزمة المالية العالمية عملية بيع الديون والمسماة بالتوريق ومثال عليها مسألة الرهن العقاري والتي أدت إلى انهيار العديد من المصارف الدولية بينما المصارف الإسلامية لا تتعامل مع القروض وهي شريك مع المستثمر بالربح والخسارة.
ü اعتمدت معايير بازل 3 اتخاذ نسبتين للوفاء بمتطلبات نسبة السيولة الأولى للمدى القصير وتعرف بنسبة تغطية السيولة بينما الثانية لقياس السيولة البنيوية في المدى المتوسط والطويل، لغرض توفير موارد سيولة ثابتة بينما المعروف عن المصارف الإسلامية بأنها تمتلك فائض سيولة مرتفعا.
ü في مواجهة الأزمة المالية العالمية تدخلت العديد من الدول والحكومات لوقف انهيار أنظمتها المصرفية لعدم قدرة رؤوس أموالها في مواجهة الخسائر المالية التي تعرضت لها المصارف التقليدية بينما لم نجد مثل هذه الحالة في البنوك الإسلامية كونها لا تعتمد على الديون في تدعيم رؤوس أموالها لا بل لا توجد أصلاً كونها تشارك المستثمرين في الربح والخسارة وبالتالي هي ليست مدينة بل شريكة.
قد تكون هناك بعض المشاكل والصعوبات التي تواجه بعض المصارف في الدول النامية في توفير متطلبات السيولة التي أقرتها هذه المعايير بسبب صغر حجم رؤوس أموالها والكلفة التمويلية التي ستتحملها هذه المصارف وهذا يمثل فرصة مناسبة للصيرفة الإسلامية للنظر بكل جدية إلى اغتنام هذه الفرصة في تحقيق مكاسب تنافسية والاستعداد للتعامل مع معايير هذه الاتفاقية، وأمام هذا الواقع فإننا نرى أن المصارف الإسلامية قادرة على استيعاب متطلبات بازل 3 حتى تؤكد مكانتها في النظام المصرفي العالمي وتستفيد من الميزة التنافسية لها لكسب حصتها من الصناعة المصرفية العالمية حيث إنها تقف على أرض صلبة وفلسفة متينة خاصة وأن الاتفاقية المعنية لتطبيق معايير بازل 3 أعطت فسحة من الزمن لغاية 2019 وهي كافية لأن تدرس بعناية هذه المتطلبات وتضع الخطط الكفيلة بتنفيذها بكل ثقة واطمئنان.[ii]
ويُشار إلى أن المصارف الإسلامية مرتبطة بمعايير مجلس الخدمات المالية الإسلامية، من هنا وكي تطبق المصارف الإسلامية معايير «بازل 3» يجب أن يتقيد هذا المجلس بمعايير «بازل 3» وأن يطوع معاييره مع المعايير الدولية الجديدة كما وفعل مع معايير «بازل 2»، ويُشار أيضاً إلى أن هيئات المحاسبة والمراجعة في المصارف الإسلامية ليست معنية كثيراً بمعايير بازل الجديدة لأنها تصدر معايير محاسبية وشرعية[iii].


[i] - غسان الطالب، المصارف الإسلامية أمام بازل 3، مقال منشور على الموقع: http://www.menafn.com  ،نشرت يوم 22/04/2012، أطلع عليها يوم:09/06/2012،على الساعة14:54.

[ii] - المرجع السابق.

[iii] - عدنان أحمد يوسف،هل المصارف الإسلامية معنية بمعايير "بازل 3"؟، مقال منشور على الموقع الالكتروني:

 http://www.akhbarak.net، نشر يوم 6 جويلية 2011،على الساعة 4:35 gmt، أطلع عليه يوم 02/04/2013، على الساعة 20:55.
[i] - محمد بن بوزيان، بن حدو فؤاد، عبد الحق بن عمر، مرجع سابق.
[ii] - هناء الحنيطي، ملك خصاونة، دور الجهاز المصرفي الاسلامي في ظل الازمة الاقتصادية، المؤتمر العلمي الدولي السابع حول :تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على منظمات الأعمال " التحدياتالفرص - الآفاق جامعة الزرقاء الخاصة، الأردن،3-5 نوفمبر 2009،ص ص 29-30.