09‏/05‏/2022

السياسة المالية ودورها في تحقيق التوازن الاقتصادي 1-5

 

المبحث الثالث : العوامل المؤثرة في السياسة المالية

لقد عُرفت المالية العامة بأنها دراسة الآثار القانونية و السياسة و الاقتصادية لإيرادات و نفقات الموازنة العامة لذلك هناك عوامل متعددة تؤثر في السياسة المالية منها ما يؤثر بالتشجيع و منها ما يؤثر عكس ذلك، لهذا ينبغي مراعاة هذه الآثار المتنوعة و ذلك على النحو التالي:

1- العوامل السياسية

       أن كل نظام ضريبي هو ناتج عن قرار سياسي، حيث أن هذا التأثير للسياسة على الضريبة وُجد منذ قديم الزمان، و قد مس كل من الدول المتقدمة و المتخلفة.

كانت السياسة المالية حتى سنوات قليلة خلت هي الخادمة للسياسة المسؤولة عن إمدادها بالأموال لنفقاتها و في الحاضر أصبحت السياسة المالية هي المعاون للسياسة بالإضافة إلى الوظائف الاجتماعية و الاقتصادية التي أُسندت لها.

إن التأثير المتبادل بين السياسة المالية و العوامل السياسية يظهر بوضوح لأن الاقتطاع العام من الدخل الوطني جد هام، كما أن تحديد قيمة هذا الاقتطاع و تحديد توزيعه و قرارات استعماله تثير مشكلات سياسية هامة، و يمكن توضيح الأثر المتبادل بين السياسة المالية و العوامل السياسية في نقاط ثلاث[1] :

1-1- تأثير الظواهر المالية على السياسة الداخلية

       يمكن للسياسة المالية أن تؤثر على الحياة السياسية سواء عن طريق النظم السياسية، حيث أن كل نظام سياسي يمارس اختصاصات مالية يستخلص من هذا الواقع سلطة سياسية أعلى من السلطة النابعة عادة من الأحكام القانونية التي تحدد نظامه و خير دليل سلطة البرلمان و اختصاصه المالي و تفوق وزير المالية لأنه الوحيد المسؤول عن تحقيق التوازن بين نفقات و إيرادات الدولة ، كما له الحق في الإطلاع على جميع القرارات التي يمكن اتخاذها من طرف زملائه و المتعلقة بالنفقات ، و من أجل السماح له بإنجاز عمله المالي اعترف له بامتيازات قانونية اشتق منها زيادة سلطته السياسية.

كما يمكن للسياسة المالية أن تمارس تأثيرها على الحياة السياسية من خلال تأثيرها على الأحداث السياسية ذات الأصل المالي أي الناتجة عن أسباب مالية و ضريبية كوطأة العبء الضريبي على الطبقات الفقيرة.

1-2- تأثير العوامل السياسية على السياسة المالية

 يمكن أن ينظر لهذا التأثير من ناحيتين: فمن ناحية تأثر البنيات السياسية نجد أنّ الطبقة الحاكمة في أيّ وفي أيّ تاريخ تمثل عنصراً هاماً للتوجيه المالي للدولة، أي أن السياسة المالية و حجم توزيع النفقات و تحصيل الإيرادات مكيفة بقدر كبير حسب النظام السياسي السائد، أي أنَّ الفئة ذات التفوق السياسي تستعمل سلطتها المالية للمحافظة على سيطرتها في الدولة سواء عن طريق السياسة الضريبية أو حتى عن طريق النفقات العامة التي أصبحت تستخدم كوسيلة تأثير اجتماعي و اقتصادي قوية مثل ما هو معروف بالنفقات الحكومية و الإعانات.

أما من ناحية تأثير الوقائع السياسية، هو أن الأحداث السياسية الهامة لها انعكاسات على السياسة المالية لما لها من تأثير على إمكانيات الإيرادات و ما تحدثه من تغيرات في قيمة و محل النفقات العامة، و من هذه الوقائع السياسية نجد الأحداث العسكرية و ما لها من تأثير واضح على السياسة المالية، و يمكن تتبع تطور السياسة المالية من خلال تطور الظواهر العسكرية، فميلاد الضريبة مثلاً مرتبط بظهور الحملات العسكرية، هذا من جهة، و من جهة أخرى أنَّ الحروب عادة تترك خلفها آثار مالية، مثل عبئ القروض و نفقات إعادة التعمير، لذلك يجب معالجة هذه النفقات الاستثنائية بطرق استثنائية كالقروض القهرية أثناء الحرب ، زيادة عن الحروب نجد كذلك الاضطرابات الاجتماعية التي هي الأخرى لها انعكاسات على السياسة المالية.و عادة تؤدي هذه الاضطرابات إلى عرقلة عمل المصالح الضريبية الذي ينعكس هو الآخر على التحصيل الضريبي.

نجد في الوقت المعاصر ملامح التدخل بين الاعتبارات السياسية و السياسة المالية تظهر جلياً أثناء الحملات الانتخابية، قد يأخذ البرنامج طابعاً مالياً مثل المطالبة بتخفيض الضرائب، أو إلغاء نوع معين من الضرائب، حيث تنفيذ أي برنامج سياسي يكون عن طريق نفقات جديدة.

1-3- التأثير المتبادل بين الموازنة العامة و العوامل السياسة

الميزانية هي ذلك التصريح الدوري الممنوح من البرلمان إلى السلطة التنفيذية بتحصيل الإيرادات و صرف النفقات، و من هذا يظهر جلياً التفوق التشريعي على السلطة التنفيذية الناتج عن تطور تاريخي طويل ، كما توجد علاقة وثيقة بين الموازنة و البرلمان ، فقد ظهرت الموازنة أحياناً كعامل لدعم البرلمان و أحياناً أخرى عامل لاندثاره.

و أخيراً إن المتتبع للعلاقات المتبادلة بين الاعتبارات السياسية و السياسة المالية يلاحظ أنَّهما سياستان لا يمكن الفصل بينهما ، فمن الناحية التقنية نجد أن القرار الخاص بكمية الإنفاق و القرار الخاص بتمويل هذا الإنفاق ، فلا يمكن اعتبارهما قرارين منفصلين.

وأخيرا نخلص إلى أن إمكانيات عمل السياسة المالية على الوجه الصحيح تكون أكبر في النظم السياسية ذات الحكم الديمقراطي، كما أن فعالية أداء السياسة المالية في الدول المستقلة تكون أكبر منها في الدول المستعمرة.

 

2- العوامل الإدارية

من العوامل الهامة التي تؤثر في السياسة المالية نجد العوامل الإدارية فهي تؤثر في السياسة المالية و تتأثر بها ، و من أهم جوانب السياسة المالية تأثراً بالجهاز الإداري هو الجانب الضريبي ، لذلك فإن النظام الضريبي يجب أن يتكيف حتما مع الهياكل الموجودة، حيث أنّ الجهاز الإداري الكفؤ يهيئ للسياسة المالية فعالية كبيرة في تحقيق أهدافها.

تأثير العوامل الإدارية على السياسة المالية تأثير متبادل فكلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر وذلك على النحو التالي:

2-1- تأثير العوامل الإدارية على السياسة المالية

       إنّ هذا التأثير هو تأثير مزدوج فهناك أثر البنيات الإدارية، وكذلك تأثير السياسة الإدارية وذلك على النحو التالي:

2-1-1- تأثير البنيات الإدارية على السياسة المالية

        هناك بعض البنيات الإدارية تحتاج إلى نفقات كبيرة لأنها تحتوي على عدد كبير من المرافق وما تتطلبه من عنصر بشري ومالي قد لا يكون متوفرا في الدولة المعنية، كذلك في حالة اعتماد الأسلوب اللامركزي على نحو موسع فإنّه يؤدي إلى زيادة النفقات لأن الهيئات المحلية ذات الاستقلالية المالية تميل عادة إلى المبالغة في نفقاتها، كما أن هناك اتجاه[2] مفاده أنّ الإدارة المحلية أقل صلاحية من الإدارة المركزية من ناحية تحصيل الضرائب، ويرجع ذلك لندرة الكفاءات الإدارية في الهيئات المحلية بالإضافة إلى المرتبات الأقل والوضع الأدنى، لكن هذه النتيجة ليست حتمية لأنه يمكن اعتبار الهيئة المحلية إدارة سيئة بل قد تكون أفضل من الإدارة المركزية.

2-1-2- تأثير السياسة الإدارية على السياسة المالية

        للسياسة الإدارية مظاهر عديدة لها انعكاسات مالية كالمؤسسات والمنشآت الإدارية، فبناء المصانع والمنشآت العامة في جهة ما تكون مصدر موارد مالية هامة لما يفرض على المصنع من ضرائب مختلفة، كما أن هذا المصنع يساهم في زيادة النشاط الاقتصادي للناحية عن طريق تنمية الاستهلاك ومنه زيادة الموارد المالية، وهذا ما لا نجده في المناطق التي تنعدم بها المصانع ومؤسسات العمل لما تعانيه من صعوبات مالية جمة، لأنه مع غياب الأنشطة الاقتصادية فمن الصعب فرض ضرائب هامة.

2-2- تأثير السياسة المالية على المؤسسات الإدارية

         كما تؤثر العوامل الإدارية في السياسة المالية فهذه الأخيرة هي الأخرى تؤثر في الكيانات الإدارية تأثير مزدوج فهناك تأثير على المؤسسات الإدارية، وكذلك تأثير على السياسة الإدارية وذلك كما يلي:

2-2-1- تأثير العمليات المالية على المؤسسات الإدارية

       نجد على الساحة الإدارية أنّ أي جهاز يمارس اختصاصات مالية فإنه يستمد من ذلك تدعيما لسلطاته كما أن الحكم على مدى استقلالية الهيئات اللامركزية يتبع مدى استقلالها المالي أي على مدى السلطات المالية الممنوحة لها ولهذا لا يكون الاستقلال حقيقيا إلا إذا كان للهيئة المحلية إيرادات مستقلة مثل إيرادات أملاكها( الدومين) مع التمتع بحرية الإنفاق دون اللجوء إلى السلطة التشريعية للحصول على التصريح بالإنفاق، وفي حالة انعدام الحرية المالية للهيئة المحلية تكون اللامركزية صورية حتى وإن كانت لها اختصاصات قانونية واسعة ومنه يمكن القول أن استقلال المالية هو مقياس حقيقي للامركزية.

       إضافة إلى ما سبق نجد كذلك وظيفة المحاسب العمومي (أمين الخزينة) الذي يقوم بمراجعة صحة عملية الإنفاق قبل إجراء عملية ولهذا يصبح المحاسب والمراجع لأعمال المدير الذي يأمر بالصرف دون أية ضغط من طرف هذا الأخير على الأول، ومنه يتضح أن الاختصاص المالي للمحاسب والمسؤولية التي يتحملها في حالة ارتكاب أخطاء يستخلص منها المحاسب سلطة إضافية ولهذا أصبح بفضل اختصاصاته المالية أحد الموظفين الأكثر نفوذا في الدولة.

2-2-2- تأثير العمليات المالية على السياسة الإدارية

        إن تأثير السياسة المالية على السياسة الإدارية يتضح بالنسبة للجماعات المحلية والمنشآت العامة حيث أنّ السياسة الإدارية لهذه الهيئات محكومة باعتبارات مالية ففي حالة توفر الموارد المالية الناتجة من أملاكها أو ضخامة الوعاء الضريبي، فعندئذ تكون سياسة توسعية فهناك نفقات مختلفة واستثمارات عديدة تسمح بتحسين التنمية المحلية لما توفره من مرافق عامة جديدة، أما إذا كانت الموارد المالية غير كافية حينئذ يجب على الهيئات المحلية إتباع سياسة مالية انكماشية أي محدودة أي أنها تكتفي بالمرافق الضرورية فقط دون تجديد أو جديد.

       مما سبق يتضح أن حياة الهيئات المحلية مكيفة كثيرا بأحوال السياسة المالية.

       ونخلص في الأخير أنه هناك تأثير متبادل بين السياسة المالية والعوامل الإدارية، بحيث أنّ كلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر وحتى تحقق السياسة المالية أهدافها فلابد أن يتوفر الجهاز الإداري الكفء الذي تتوفر فيه الإمكانيات البشرية والفنية وإلا كان جهازا جامدا ويكون معوقا فعليا لفعالية السياسة المالية وهذا ما نجده في الدول المتخلفة وأخيرا يمكن القول أن الجهاز الذي يساعد السياسة المالية في أداء مهامها هو ذلك الجهاز الإداري المقتصد في نفقاته البسيط في تكوينه، سريعا في مهامه.

3- أثر النظام الاقتصادي

       ينبغي أن تنسق السياسة المالية في طبيعتها وتكوينها وأهدافها وطريقة عملها مع النظام الاقتصادي الذي تعمل من خلاله(في إطاره)، لهذا تختلف السياسة المالية في النظام الرأسمالي عنها في النظام الاشتراكي، فإذا كانت طبيعة الاقتصاد الرأسمالي تفسح مكانا للضريبة، فإنّ الاقتصاد الاشتراكي يصل إلى تجاهلها أو على الأقل اضمحلال دورها[3].

       لذلك فإننا سنحاول أن نقف هنا في إيجاز على طبيعة السياسة المالية في الاقتصاديات الرأسمالية والاشتراكية على التوالي:

3-1-السياسة المالية في النظام الرأسمالي

        كان النظام الرأسمالي في بدء نشأته يقوم على أساس النظرية الكلاسيكية التي تنادي بعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، ومن الطبيعي أن يؤدي اقتصار الدولة على الوظائف التي حددتها النظرية التقليدية إلى أن تكون كل من نفقاتها وإيراداتها قليلة متواضعة كما كان على السياسة المالية أن تكون محايّدة، ومن وجهة أخرى نجد أنّ السوق والثروة تكون بين أيدي الأفراد والجماعات الخاصة والدولة حسب طبيعتها لا تملك إيرادات خاصة، نتيجة لذلك فإنّ النفقات العامة لا يمكن أن تغطى إلاّ بواسطة الاقتطاع الضريبي الذي يتم على الإيرادات الخاصة، وقد سمحت الحياة الاقتصادي للنظرية التقليدية أن تعيش فترة من الزمن إلاّ أنّ الظروف وتغيّرات وتطوّر دور الدولة بسرعة فلم يعد يقتصر على وظائف وما شابه ذلك، بل تعداه إلى جميع مجالات الحياة الاقتصادية وأصبح حجم تدخل الدولة أكبر، وهذا ما أدى إلى تزايد مستمر في النفقات العامة، ومن خلال هذا التزايّد للأعباء يمكن تصور ميلاد رأسمالية اجتماعية وهذا التحول في الرأسمالية أدى هو الآخر إلى الزيادة المتلازمة للعائد الضريبي ومع التحول الضروري في النظم الضريبية ساعد ذلك تطور مفهوم الضريبة التي أصبحت تقوم في المالية المعاصرة بوظائف هامة أخرى منها الوظيفة الاقتصادية للضريبة أي أنها أصبحت أداة جوهرية لتدخل السلطة العامة في المجال الاقتصادي والاجتماعي مثل العدالة الاجتماعية وكذلك تشجيع التنمية الاجتماعية.

ومما سبق يمكن القول أن التغير في النظام الضريبي تعدد وظائف الضريبة سببه تطور النظام الرأسمالي وبصفة عامة نخلص إلى أنّ المجتمعات الرأسمالية هي تلك التي تبرز فيها أهمية الدور الذي يلعبه الاستثمار الخاص كعامل متحرك في ميزانية الاقتصاد الوطني ومن ثم ينحصر دور السياسة المالية في المجتمعات الرأسمالية في تهيئة البيئة المواتية لازدهار الاستثمار الخاص ونموه من جهة، وفي العمل على التخفيف من حدة التقلبات التي قد تطرأ على مستوى النشاط الإقتصادي الكلي[4].

       أخيرا وبصفة عامة أنّ الضريبة تتحل مكانة هامة كأداة للتدخل الاقتصادي والاجتماعي ولم يعد دورها محصورا في تمويل خزينة الدولة.

 

3-2- السياسة المالية في النظام الاشتراكي

        تختلف ماهية وأهمية الدور الذي تلعبه السياسة المالية في الدول الرأسمالية عنها في الدول النامية، عنها في الدول الاشتراكية، فكما عرفنا أن السياسة المالية في البلدان الرأسمالية يتوفق دورها على تهيئة البيئة المواتية لازدهار القطاع الخاص ونموه من جهة والعمل على التخفيف من حدة التقلبات التي تطرأ على مستوى النشاط الاقتصادي الكلي والعمل على تأمين استقرار مستوى الأسعار والتشغيل الكامل فيما إذا تعرض الاقتصاد إلى تقابات حادة يعصف بالتوازن الاقتصادي.

       أما المجتمعات الاشتراكية التي تتخذ من الملكية العامة لأدوات الإنتاج أساس لاقتصادها ومن التخطيط المركزي الشامل أسلوبا لإدارة الاقتصاد الوطني أمرا لازما، كما تتولى الخطة الوطنية مسؤولية المواءمة بين الموارد المادية والموارد الإنسانية(البشرية)، وتوجيه هذه الموارد بين مختلف الأنشطة والمجالات وذلك لتحقيق النمو المتوازن لمختلف فروع الاقتصاد الاشتراكية وهكذا تكون السياسة المالية في هذه الدول أكثر تدخلية وفي نظرهم تكون أكثر إيجابية وتلعب دور أكثر أهمية، وذلك أن العامل الفعال في ميزانية الاقتصاد الوطني لتلك البلاد هو الاستثمار العام وليس الاستثمار الخاص، ومن ثم يبرز ذلك أهمية إنفاق القطاع العام وكذا إيرادات هذا القطاع في الارتقاء بمستوى النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

       مما سبق يمكن القول أن للسياسة المالية في الدول الاشتراكية لها خصائص متميزة، وهي نتيجة منطقية لطبيعة الاقتصاد الاشتراكي وهذه الخصائص هي[5]:

- المصدر الرئيسي للإيرادات العامة هو القطاع العام وليس الضرائب لأنّ الملكية لعناصر الإنتاج للدولة كما أسلفنا؛

- كبر حجم النفقات الاستثمارية وذلك للحصول على إيرادات مع العلم أن النفقات الاستثمارية للدولة أيضا؛

- القروض الداخلية شبه إجبارية أما القروض الخارجية فهي من الدول الاشتراكية؛

       ومما يؤكد توافق السياسة المالية مع طبيعة الاقتصاد الذي من خلاله أن القروض لا تلعب دورا كبيرا كمصدر الإيرادات الميزانية في البلاد الإشتراكية[6]، حيث أن توازن الميزانية يؤمن دائما بواسطة المصادر الغزيرة والتخطيط الحريص للمصروفات.

في الواقع أن أهمية السياسة المالية في هذه البلدان أصبحت تضعف تدريجيا في الوقت الحالي، بل يمكن القول أن الاقتصاد الاشتراكي الذي يقوم على سيطرة الدولة لعناصر الإنتاج وعدم الاعتراف بالملكية الخاصة للقطاع الخاص، وقد بدأ يغير من هذه النظرة نظرا للفشل والإفلاس اللذين أصابه، وطبيعي أن تفشل السياسة المالية عن معالجة الانهيار الاقتصادي الذي أصابه في الآونة الأخيرة والذي يتجه الآن إلى نظام السوق والاعتراف تدريجيا بالملكية الفردية باعتبارها جزءا من آلية النظام الاقتصادي.

       أخيرا ومهما كان الدور الذي تقوم به السياسة المالية في كل من الاقتصاديات الرأسمالية والاشتراكية، فإنّه تجدر الإشارة هنا إلى أن السياسة المالية هي إحدى السياسات الاقتصادية ومنه يجب التنسيق بينها وبين غيرها من السياسات الأخرى، وخاصة السياسة النقدية حتى تدعم كل منهما الأخرى بهدف تحقيق أهداف السياسة الاقتصادية للدولة .

3-3- أثر درجة النمو الاقتصادي

       إنّ السياسة المالية مثلها مثل السياسات الأخرى فهي انعكاس للنظم السائدة ومستوى التنمية الاقتصادية للدولة، وكما أن الفوارق بين مختلف الدول المتقدمة، والنامية تنعكس هي الأخرى على السياسة المالية وبالتالي تختلف طبيعة السياسة المالية بين الدول تبعا لطبيعة اقتصاديات هذه الدول ولهذا نحاول أن نبيّن طبيعة السياسة المالية في كل من الدول المتقدمة والدول النامية على النحو التالي:

 

3-3-1-السياسة المالية في الدول المتقدمة

       تتميز اقتصاديات الدول المتقدمة باكتمال جهازها الإنتاجي وبنيتها الأساسية وتنظيماتها المؤسسية ومقومات نموها الاقتصادي ومنه تكون أهم وظيفة للسياسة المالية في هذه الدول هو البحث عن وسائل العلاج والإصلاح لما يتعرض له هذا الكيان الناضج من مشاكل واختلالات[7].

-نلاحظ في هذه الدول بشكل عام ارتفاع معدل النمو الاقتصادي، وجود جهاز إنتاجي قوي ومرن ذو إنتاجية عالية مما يجعل الطلب الفعال الكلي قاصرا عن عرض السلع والخدمات، كما أنّ الادخار أكبر من الاستثمار[8] في حالات الكساد تنتشر في هذه الدول البطالة ويتراجع الإنتاج رغم وجود موارد إنتاجية متعطلة وذلك نتيجة نقص الطلب الكلي عن مستوى التشغيل الكامل، في حين نجد حالة الحروب وحالة الانتعاش أنّ الطلب الكلي يزداد ليفوق قدرة الاقتصاد على الإنتاج عند مستوى التشغيل الكامل فتظهر الاندفاعات التضخمية[9].

       تهدف السياسة المالية في هذه الدول إلى تحقيق التوازن والاستقرار الاقتصاديين عند مستوى التشغيل الكامل للموارد الإنتاجية المتاحة للمجتمع لتخليصه من البطالة والتضخم، فتقوم بتعويض عن تقلبات الإنفاق الخاص بزيادة أو خفض الإنفاق العام، أو زيادة أو خفض الضرائب لكبح الفجوة بين الادخار والاستثمار[10] أي السماح لميزانية الدولة بالتقلب تبعا لأوجه الدورة الاقتصادية المختلفة، فإذا حدث وكان الإنفاق الكلي على الناتج الوطني أقل مما هو ضروري للاحتفاظ بمستوى العمالة الكاملة، صار لزاما على الحكومة أن تكيّف مستوى إنفاقها وتجنبه من ضرائب وما نحصل عليه من إيرادات أخرى. وقد تلجأ الدولة إلى طرق مختلفة لتمويل عجز الموازنة كي ترفع الدخل القومي إلى مستوى العمالة الكاملة[11]، كذلك تلجأ الدولة لإحداث فائض في الموازنة إذا زاد الطلب الكلي على السلع والخدمات، زيادة كبيرة لا تقابلها زيادة في الدخل الحقيقي للمجتمع تلافيا لحدوث تضخم نقدي.

       بيّن كينز في نظريته العامة أن النظرية الكلاسيكية غير قادرة على حل مشاكل البطالة، وأثار الدورات الاقتصادية، التضخم والخلل في الاستقرار الإقتصادي[12]، وقد ركّز لحل مشكل البطالة والكساد على زيادة الطلب الفعال عن طريق زيادة الاستثمارات الحكومية العامة لملء الفجوة بين الدخل والاستهلاك، وبعد كينزيين علماء اقتصاديين آخرين أن تناقض كينز يظهر في أن سياسته في الطلب الفعال ستؤدي إلى توازن الادخار مع الاستثمار عند مستوى دخل أقل من مستوى التوظيف الكامل ودليل ذلك أن الميل الحدي للاستهلاك في الدول المتقدمة يكون منخفضا لصالح الميل الحدي للادخار، وعليه فإنّ زيادة الإنفاق العام الاستثماري لن يؤدي إلى زيادة كبيرة في الاستهلاك كما أن زيادة حجم الاستثمار هذا سيؤدي إلى انخفاض الكفاية الحدية لرأس المال، وعليه فسيكون هناك قصور في الطلب الكلي يجعل توازن الادخار مع الاستثمار عند مستوى دخل أقل من مستوى التوظيف الكامل[13].

       وبصفة عامة فإنه يمكننا القول إجمالا أن الدول المتقدمة هي تلك التي تبرر فيها أهمية الدور الذي يلعبه الاستثمار الخاص ومن ثم فإن السياسة المالية في هذه الدول تتجه نحو مساندة الاستثمار الخاص ومحاولة سد أي ثغرة انكماشية أو تضخمية قد تطرأ على مستوى النشاط الاقتصادي عن طريق التأثير على مستوى الطلب الكلي الفعال في الإقتصاد، مع قيام الدولة عادة بالمرافق الاقتصادية والاجتماعية الهامة وذات المنفعة العامة.

 

 

 

3-3-2- السياسة المالية في الدول النامية

        لقد ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية دول متقدمة تمتاز بالتقدم والتطور الاقتصادي والرفاه الاجتماعي وارتفاع مستوى المعيشة ودول متخلفة أو ما يطلق عليها بدول العالم الثالث أو الدول النامية هذه الأخيرة امتازت بما يلي[14]:

تدني متوسط دخل الفرد ومنه تدني في الدخل الوطني، عدم مساهمة القطاع الصناعي إلا بنسبة ضئيلة جدا من الناتج الوطني، عدم وجود نظام اقتصادي واضح المعالم إذ نجد نظام خليط يجمع بين خصائص النظام الرأسمالي إلى جانب بعض خصائص النظام الاشتراكي، كما تعتمد هذه الدول على المساعدات المالية والفنية الخارجية مما أدى إلى التبعية للخارج، انخفاض الاستثمار الإنتاجي، وارتفاع الميل الحدي للاستهلاك مع انتشار البطالة والأمية....الخ.

تتميز اقتصاديات هذه الدول بضعف وعدم مرونة جهازها الإنتاجي وعدم قدرته على تشغيل مواردها الإنتاجية العاطلة وبالتالي فإن هذه البلدان تفتقر إلى جهاز إنتاجي قوي يتمتع بالكفاية والمرونة مما يقتضي أن التوسع في الطلب النقدي سينعكس تضخما، كما أن الادخار يعاني من انخفاض شديد[15].

       كما تعاني اقتصاديات الدول النامية من معدلات كبيرة في عجز موازنتها العامة، وتعود هذه العجوز إلى ضعف الموارد المالية الضريبية نتيجة سيطرة حالة الركود وكثرة الإعفاءات والتهرب الضريبي من جهة وإلى نمو الإنفاق العسكري وعدم ترشيد الإنفاق  العام من جهة أخرى، إلى جانب ضعف الطاقات الضريبية وزيادة أعباء الديون الخارجية مما حتم التمويل بالعجز.

       ولما كان بناء جهاز إنتاجي قوي هو جوهر عملية التنمية يعتمد أساسا على تراكم رأس المال المنتج في الاقتصاد، فإن تعبئة الموارد الرأسمالية اللازمة لبناء الطاقة الإنتاجية أو تمويل التنمية الاقتصادية لابد وأن يحتل المكان الأول بين أهداف السياسة المالية وغيرها من السياسات الاقتصادية في هذه البلدان[16] .

       ومنه فإن السياسة المالية تركز جل اهتماماتها في تمويل الموازنة العامة فضلا عن تمويل التنمية الاقتصادية، هذا لا يعني إهمال هدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي، حيث أن جزء من النجاح في معركة بناء المجتمع اقتصاديا، إنما يعود بالدرجة الأولى إلى مدى مساهمة السياسة المالية مساهمة فعالة في التغلب على أية موجة تضخمية عند ظهورها، بل أن المسألة لا تعدو أن تكون ترجيحا للأهمية النسبية لهدف على هدف آخر مما تمليه ضرورات التطور الإقتصادي[17]. وللإشارة فإن أدوات السياسة المالية كما جاءت في الفكر الكنزي لا يمكن تطبيقها بسهولة في الدول النامية، لأن الخصائص والظروف والأوضاع الاقتصادية التي تسود في هذه الدول تختلف في تلك التي تسود في الدول الصناعية المتقدمة. ولهذا فإن هدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي في البلدان النامية لا يتطلب اتخاذ سياسات لخفض الادخار وزيادة الاستهلاك كما يحدث في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، وإنما يتطلب اتخاذ سياسات لزيادة الادخار وتراكم رأس المال المنتج في الاقتصاد لإمكان تقليل البطالة والحد من التقلبات في آن واحد، ويكاد يتفق الجميع على أهمية السياسة المالية في مواجهة مشاكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية عموما بسبب ضخامة المسؤوليات التي يلقيها تدعيم التنمية على عاتق حكومات البلدان النامية، وقصور الجهات الخاصة عن مواجهة التحديات الجسيمة التي تفترض تقدمها، مع ضعف الجهاز النقدي بها وعدم استجابة اقتصادياتها كثيرا لأدوات السياسة النقدية كتغيير سعر الفائدة مثلا.

إلى جانب تعبئة الموارد الرأسمالية لتمويل التنمية الاقتصادية والاجتماعية كهدف أساس السياسة المالية في البلدان النامية، تهدف كذلك إلى تقليل التفاوت الشديد في توزيع الدخول والثروات ومستويات الاستهلاك بين الأفراد. زيادة الإنفاق العام وما يترتب عليه من تشغيل للطاقات المعطلة ورفع كفاءتها الإنتاجية، وتقديم الإعفاءات الضريبية في سبيل تشجيع القطاع الخاص للدخول في العملية الإنتاجية بما يتوفر لديه من أموال، كل هذه الإجراءات بلا شك تساعد في أحداث التنمية الاقتصادية ، كما أنها تلعب دورا كبيرا في السيطرة على حدة التقلبات الاقتصادية التي قد تحدث وتؤثر في عملية التنمية وتعرقل مسارها.

       نخلص مما سبق أن السياسة المالية تعد هامة جدا لمواجهة مشاكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية نتيجة قصور الجهود الخاصة في هذه البلدان عن مواجهة التحديات الاقتصادية الجسيمة من جهة وضعف الأجهزة النقدية فيها، وهكذا تستطيع الدول النامية أن تستخدم السياسة المالية إلى جنب بعض السياسات الأخرى كالسياسة النقدية مثلا لتطور البنيان الاقتصادي وفي إطار برنامج متكامل للإصلاح الاقتصادي يهدف أساسا إلى زيادة الاستثمار والإنتاج وعلاج عجز الموازنة العامة للدولة والقضاء على البطالة تدريجيا ومن ثم الانطلاق في طريق التنمية.


[1] - عطية عبد الواحد، مرجع سابق، ص ص 143- 144.

[2] - عطية عبد الواحد، مرجع سابق، ص173.

[3] - عطية عبد الواحد، مرجع سابق، ص185.

[4] - عادل أحمد حشيش، أساسيات المالية العامة، مرجع سابق، ص50.

[5] - طارق الحاج، المالية العامة، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، 1999، ص34.

[6] - عطية عبد الواحد، مرجع سابق، ص199.

[7] - عبد الفتاح قنديل، سلوى سليمان، الدخل القومي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1979، ص350.

[8] - بوشهو لز، توبج، أفكار جديدة من اقتصاديين راحلين، ترجمة: نزيرة الأفندي وعزة الحسيني، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1996، ص262.

[9] - العبادي عبد الناصر وآخرون، مبادئ الإقتصاد الكلي، بدون معلومات، ص196.

[10] - بوشهولز توج، مرجع سابق، ص ص 262- 263.

[11] - عبد المنعم فوزي، المالية والسياسة المالية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1992، ص 39 أو (دار النهضة ، بيروت، 1971، ص 3).

[12] - نإيهانز حورج، تاريخ النظرية الإقتصادية، ترجمة صقر أحمد صقر، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1997، ص512.

[13] - خليل سامي، النظريات والسياسات النقدية والمالية، شركة كاظمة للطباعة والترجمة والتوزيع، الكويت، 1982، ص232.

[14] - طارق الحاج، مرجع سابق، ص ص 35-36.

[15] - العبادي عبد الناصر، مرجع سابق، ص196.

[16] - عبد الحميد القاضي، اقتصاديات المالية العامة والنظام المالي في الإسلام، مطبعة الرشاد، الإسكندرية، بدون تاريخ نشر، ص328.

[17] - عبد المنعم فوزي، مرجع سابق، ص45.