09‏/05‏/2022

السياسة المالية ودورها في تحقيق التوازن الاقتصادي 1-6

 

المبحث الرابع أهداف السياسة المالية

       تهدف السياسة المالية إلى تحقيق أهداف السياسة العامة من خلال استخدام الإيرادات والنفقات العامة من طرف الحكومة.

       فالسياسة المالية تساهم مساهمة كبيرة في تحقيق التنمية الاقتصادية، كما تساعد مساعدة أكيدة في تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق تكييف أدواتها وأخيرا تستطيع السياسة المالية أن تساهم في تحقيق الاستقرار الإقتصادي، ولهذا نحاول في هذه الفقرة التطرق إلى الدور الذي تقوم به السياسة المالية في تحقيق الأهداف السابقة وذلك على النحو التالي:

1- دور السياسة المالية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي

1-1- مفهوم الاستقرار الاقتصادي

        هو تحقيق التشغيل الكامل للموارد الاقتصادية المتاحة، وتفادي التغيرات الكبيرة في المستوى العام للأسعار مع الاحتفاظ بمعدل نمو حقيقي مناسب في الناتج القومي، أي أن مفهوم الاستقرار الإقتصادي يتضمن هدفين أساسين تسعى السياسة المالية مع غيرها من السياسات لتحقيقهما[1].

أ- الحفاظ على مستوى التشغيل الكامل للموارد الاقتصادية المتاحة؛

ب- تحقيق درجة مناسبة من الاستقرار في المستوى العام للأسعار.

       والتشغيل الكامل كما هو معلوم لا يعني بالضرورة الوصول بمعدل البطالة إلى الصفر وإنما يتطلب الأمر اختفاء نسبي لظاهرة البطالة، وتهيئة الفرص الوظيفية المنتجة لكل الأفراد المؤهلين والذين يبحثون عن فرص العمل عند معدلات الأجور السائدة، أما استقرار المستوى العام للأسعار فيعني عدم وجود اتجاه ملحوظ أو حاد لتحركات قصيرة الأجل في المستوى العام للأسعار، أما حدوث تغيرات نسبية في أسعار السلع الفردية( والتي تعكس تغيرات في التفضيلات الشخصية للأفراد) فلا تتعارض مع استقرار المستوى العام للأسعار.

       إن الاستقرار الاقتصادي ليس إلا أحد الظروف الأساسية لإحداث التنمية والذي ينبغي أن يتدعم بغيره من الظروف المتطلبة لإنجاح السياسات الخاصة بالتنمية الاقتصادية، أي يرافقه ويلازمه زيادة معدل النمو الإقتصادي، فمعروف أن تحقيق التشغيل الكامل يؤدي إلى الاستخدام الكامل للموارد الاقتصادية المتاحة، مما يؤدي إلى رفع معدلات النمو الإقتصادي ومستويات المعيشة ومستويات الأسعار المؤقتة، بينما تؤدي التقلبات في مستويات الأسعار إلى تقلبات مناظرة في النشاط الإقتصادي بين البطالة والكساد من ناحية وبين التضخم وارتفاع مستويات الأسعار من ناحية أخرى مما يؤدي إلى خلق مشاكل اقتصادية على المستوى الفردي وعلى المستوى الوطني ومن الجدير بالذكر أن تحقيق الاستقرار في الدول النامية ومنها الجزائر له أهمية خاصة لارتباطه الوثيق بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية ومن ثم فإن تحقيق التنمية الاقتصادية يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع هدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي حتى يحصل الأفراد على ثمار ومكاسب التنمية، إذ أن غياب الاستقرار الاقتصادي يحول الكثير من الاستثمارات المنتجة إلى استثمارات غير منتجة تتمثل في المضاربة على العقارات، وتخزين السلع، بدلا من الاستثمار في الأنشطة الحقيقية صناعية كانت أو زراعية، وهنا نتساءل كيف يمكن أن تكون السياسة المالية في خدمة الاستقرار الاقتصادي؟ وهو ما نحاول الإجابة عنه فيما يلي:

1-2-دور السياسة المالية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي

 تلعب السياسة المالية دورا هاما في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وخاصة وقت الكساد أو وقت الرواج نظرا لتأثيرها في كل من مستوى التشغيل ومستوى الأسعار ومستوى الدخل الوطني.

       بالنظر إلى أسباب ومصادر الإختلالات والتقلبات الاقتصادية التي تعصف بالاستقرار الاقتصادي في أي مجتمع من المجتمعات يمكن إرجاعها إلى نوعين من الاسباب[2] مع عدم تجاهل أسباب أخرى تتعلق باقتصاديات الدول المتخلفة:

1- ظهور زيادة أو عجز في الطلب الكلي في الاقتصاد الوطني؛

2- وجود قوى احتكارية تخرج على قواعد المنافسة وتتمتع بدرجة كبيرة في تحديد كل من الأسعار والأجور في المجتمع مع انخفاض درجة مرونة بعض عوامل الإنتاج.

وتعتمد السياسة الاقتصادية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي على عدد من الأدوات والإجراءات الأساسية تنحصر أهمها فيما يلي:

أ- أدوات السياسة المالية: من خلال تأثيرها على الطلب الكلي انخفاضا وارتفاعا باستخدام السياسة الضريبية والإنفاقية؛

ب- أدوات السياسة النقدية يستخدمها البنك المركزي للتحكم في كمية النقود المتداولة ونقتصر هنا على معرفة دور السياسة المالية، وتكون النتائج ناجعة بالاعتماد على مدى نجاح السياسة المالية ليس من الناحية النظرية فقط بل وأيضا من الناحية التطبيقية ونحن نعلم أن الموازنة العامة للدولة قد تكون متوازنة أو قد يكون فيها عجزا أو فائضا.

الحالة الأولى: ظهور عجز أو فائض في الطلب الكلي

أ-عجز في الطلب الكلي أي السياسة المالية المتمثلة بالتمويل بالعجز(البطالة).: تتلخص المشكلة في هذه الحالة في أن الطلب الكلي لا يتناسب مع حجم العرض الكلي من السلع والخدمات، وذلك أن الطلب الكلي يتوازن مع العرض الكلي عند مستوى أقل من التشغيل الكامل أي هناك عجز في الطلب الكلي، ويترتب على ذلك أن الادخار المخطط لدى التشغيل الكامل يزيد على الاستثمار مضافا إليه عجز الموازنة العامة، فهنا يكون لزاما على الدولة أن تتدخل لمنع استفحال المشاكل الاقتصادية وبالتالي زعزعة الاستقرار الاقتصادي باستخدام السياسة المالية.

أما كيف يتأتى للسياسة المالية علاج هذه المشكلة فيتم ذلك عن طريق رفع مستوى الطلب الكلي إلى المستوى الذي يحقق التشغيل الكامل، ويحقق بالتالي الخروج من أزمة الكساد وما ترتب عليها من بطالة، ويتم ذلك باستخدام السياسة بشقيها الضريبي والإنفاقي،إما كل على حدة أو مزج الاثنين معا بنسب مختلفة، طبقا لطبيعة وحجم المشكلة موضوع المعالجة. فتستطيع الدول من خلال السياسة الإنفاقية(التوسع في النفقات العامة) أن ترفع من مستوى الطلب من خلال إقامة المشروعات العامة الاستثمارية وشق الطرقات والمدارس والمستشفيات.....الخ. أو من خلال توسع الحكومة في منج مختلف الإعانات الاجتماعية مثل إعانة البطالة والشيخوخة، ونتيجة ذلك تزداد الدخول الشخصية والإنفاق الشخصي ليس فقط بمقدار الإنفاق العام بل بصورة مضاعفة بفعل مضاعفة الاستثمار[3]، أي أنّ هذا النوع  من الدعم يزيد من مقدرة الأفراد على الإنفاق مما يحفز على الاستثمار ويزيد من العمالة.

كما تستخدم الإيرادات العامة( تخفيض الإيرادات الضريبية) في مواجهة الكساد من خلال الأثر التعويضي للضرائب، حيث يمكن أن يسهم تخفيض الضرائب في زيادة الاستهلاك وزيادة الاستثمار، ويمكن زيادة الاستهلاك عن طريق رفع مستوى دخول الفئات المنخفضة الدخل نظرا لارتفاع الميل الحدي للاستهلاك لهذه الفئات، مما يعني أن زيادة دخول هذه الفئات يوجه للاستهلاك، ومن الممكن زيادة دخول الأفراد في هذه الفئات عن طريق تخفيض التصاعد بالنسبة للضريبية المطبقة على الشرائح الأول من الدخل[4].

وفيما يتعلق بالاستثمار فالسياسة الضريبية يمكن أن تعمل على زيادته من خلال الضرائب على الأرباح مما يشجع المنتجين على الاستثمار وبالتالي على زيادة الإنتاج. ولابد أن نذكر في الأخير أن سياسة زيادة حجم الإنفاق أكثر فعالية من تخفيض الضرائب[5] لأن مضاعف الاستثمار في حالة زيادة الإنفاق يزيد عن حجم المضاعف في حالة تخفيض الضرائب.

ب-زيادة مستوى الطلب الكلي( التضخم) أي السياسة المالية المتمثلة بالتمويل بالفائض:في هذه الحالة تنحصر مشكلة الاستقرار الاقتصادي في أن الطلب الكلي أكبر من العرض الكلي[6]أي أنّ هناك فائض طلبا نقديا زائدا، حيث أن الاستثمار أكبر من الادخار مضافا إليه عجز الموازنة العامة ففي هذه الحالة وفي ظل ظروف ضعف مرونة الجهاز الإنتاجي فإنه يقود إلى التضخم وارتفاع الأسعار، وبالتالي فإن على السياسة المالية أن تخفض أو تعيد مستوى الطلب الكلي وتسحب الطلب النقدي الزائد أي امتصاص القوة الشرائية الزائدة، عن طريق إحداث فائض في الميزانية برفع معدلات الضرائب القائمة أو زيادة حصيلة الضرائب باستحداث ضرائب جديدة على أنواع أخرى من السلع، كما أن السياسة الإنفاقية تعمل على ترشيد الطلب الاستهلاكي من خلال خفض بنود الإنفاق العام، وعلى ذلك تتكون السياسة المالية المستخدمة للحد من التضخم من جانبين ، الجانب الأول هو زيادة الضرائب و الجانب الثاني هو تخفيض النفقات العام.

1-زيادة الضرائب

       هنا نفرق بين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة فيترتب على زيادة الضرائب المباشر على الدخل وخاصة التصاعدية منها امتصاص جانب من القوة الشرائية لدى الأفراد بقدر يتناسب مع حجم الدخل أي اقتطاع جزء من دخول الأفراد الذي كان سينفق على السلع والخدمات المختلفة ومنه تخفيض الطلب الكلي.

ويمكن أن تساهم الضرائب غير المباشرة في الحد من الاستهلاك حيث أن زيادة هذا النوع من الضرائب يترتب عنه انخفاض الطلب الكلي غير أن أثر الضرائب غير المباشرة في تخفيض الطلب الكلي يتوقف على أنواع السلع التي تفرض عليها هذه الضرائب، أي الزيادة في الضرائب غير المباشرة تقتصر على السلع التي يؤدي ارتفاع أسعارها على انخفاض الطلب عليها، الأمر الذي يتوقف على مرونة الطلب على مختلف السلع.

فمثلا إذا زادت الضرائب على السلع الكمالية فإنها تؤدي إلى تخفيض الطلب عليها ويتوقف مقدار الانخفاض في الطلب على درجة مرونة الطلب السعرية لهذه السلع.

2- تخفيض النفقات العامة

        إنّ عملية تخفيض النفقات العامة تساهم في الحد من التضخم لكون زيادة النفقات عن الإيرادات العامة من أسباب وجود التضخم، غير أن تخفيض بعض بنود النفقات العامة يكون صعب المنال مثل خدمات الصحة والتعليم والأجور....الخ، وهذا لا يمنع تخفيض بعض النفقات العامة مثل بعض أنواع الاستهلاك الحكومي أو تأجيل تنفيذ بعض الاستثمارات لفترة زمنية قصيرة.

ونظرا لصعوبة تخفيض النفقات العامة من الناحية الواقعية فإن أثرها في الحد من التضخم محدود، ومن ثمة فإن السياسة المالية التي تهدف إلى تخفيض الطلب الكلي أي الحدّ من التضخم يجب أن يركز على زيادة الضرائب وخاصة الضرائب المباشرة[7].

الحالة الثانية: تتمتع القوة الاحتكارية بدرجة كبيرة في تحديد الأسعار، إذ تمارس نقابات العمال وخاصة في الدول المتقدمة ضغوطا كبيرة في رفع الأجور النقدية للعمال وكثيرا ما تنجح في ذلك، الأمر الذي يدفع أصحاب الأعمال إلى رفع أسعار السلع والخدمات بنسبة معينة، دون حدوث زيادة مناظرة، وتؤدي هذه الزيادة إلى التضخم الناتج عن دفع التكاليف.

وهذه الحالة تظهر فيها البطالة جنبا إلى جنب مع التضخم، وقد أطلق عليها في الأدب الاقتصادي مشكلة الكساد التضخمي وقد ظهرت هذه المشكلة في الدول المتقدمة في أواخر الستينات بسبب نفوذ نقابات العمال ورجال الإعمال أين أخذت الأجور اتجاهها التوسعي. أما في الدول النامية ومنها الجزائر فيكون تأثير نقابات العمال ضعيفا، كما أن سياسة الأجور تتبع سياسات الدولة في الغالب، غير أن هذه الدول تتبنى برامج تنموية طويلة الأجل فتواجه بعض الاختناقات كأن لا تحصل على عوامل الإنتاج النادرة كالعمالة الماهرة والفنية أو وجود نقص في المواد الأولية وقطع الغيار أوعدم توفر شبكة الطرق والمواصلات.....الخ. مما يؤدي إلى عرقلة الإنتاج وانخفاض إنتاجية الاستثمارات في الوقت الذي يزيد فيه الطلب لعوامل متعددة كزيادة عدد السكان أو زيادة الإنفاق الحكومي أو غيرها، وفي ظل هذه الظروف فإن استخدام السياسة المالية للتحكم في ظروف الطلب لا يمكن أن يحقق العمالة الكاملة واستقرار الأسعار، وعليه فإن السياسة المالية التي ينبغي استخدامها في ظروف الدول النامية تتمثل في الآتي:

- استخدام برامج الإنفاق العام في توفير فرص التعليم والتدريب الفني لجانب من قوة العمل التي تفتقد إلى التدريب اللازم إلى الوظائف الجديدة، ومن شأن هذه السياسة تخفيض معدل البطالة، بالإضافة إلى محاولة التوسع في بعض المشروعات ذات النفع مثل السكن والصحة وغيرها والتي تؤدي إلى زيادة في مرونة الإنتاج عرض الإنتاج الكلي واختفاء كثير من نقاط الاختناق .

- تبني الدولة من خلال السياسة المالية سياسة ربط بين الزيادة في الأجور بالزيادة في الإنتاجية ومن شأن هذه الزيادة تخفيض معدل التضخم؛

- اعتماد سياسة ضريبية تشجع على الادخار والاستثمار من خلال المنح الاستثمارية والإعفاءات الضريبية والتشجيع بصفة أساسية على التنمية.

2- دور السياسة المالية في تخصيص الموارد

       يسعى الإنسان في حياته اليومية إلى إشباع حاجات متعددة مثل التعليم، الغذاء...الخ، كما أن هذه الحاجات تتزايد مع مرور الزمن والتقدم الحضاري.

يقصد بالموارد البشرية والموارد الطبيعية ورأس المال، وتشمل الموارد الطبيعية، الأراضي الزراعية والمعادن وكافة الموارد الطبيعية الأخرى، ويشمل رأس المال كل الاستثمارات والمباني والآلات المستخدمة في الإنتاج، غير أن المشكلة هي تعدد الحاجات الإنسانية والندرة النسبية للموارد المتاحة، ويترتب على هذه المشكلة الاقتصادية ضرورة تحديد السلع التي يتم إنتاجها والكميات المنتجة من هذه السلع.

ولكن كيف يتخذ المجتمع القرارات الخاصة بتحديد السلع التي يتم إنتاجها وتخصيص الموارد بين الاستخدامات المختلفة ولذا يجب أن تتوفر وسيلة تنظيمية لاتخاذ هذه القرارات، وتوجد وسيلتان لاتخاذ هذه القرارات هما[8] : جهاز السوق ، تدخل الدولة.

2-1- معنى تخصيص الموارد

        يقصد بتخصيص الموارد الاقتصادية عملية توزيع الموارد المادية و البشرية بين الأغراض أو الحاجات المختلفة، بغرض تحقيق أعلى مستوى ممكن من الرفاهية لأفراد المجتمع[9]. و يشمل التخصص العديد من التقسيمات:

- تخصيص الموارد بين القطاع العام و القطاع لخاص.

- تخصيص الموارد بين سلع الإنتاج و سلع الاستهلاك.

- تخصيص الموارد بين الاستهلاك العام و الخاص.

- تخصيص الموارد بين الخدمات العامة و الخدمات الخاصة.

أي أن مشكلة تخصيص الموارد تتلخص في الاختيار بين العديد من أوجه التفضيل، مثل التفضيل بين حاجة و أخرى أو بين غرض و آخر، أو قطاع اقتصادي و آخر، و في جميع الأحوال يتضمن الاختيار التضحية ببعض الحاجة و الأغراض في سبيل إشباع الحاجات التي تنال تفضيل الأفراد[10].

و كما أشرنا سابقاً أن هناك وسيلتان لاتخاذ القرارات المتعلقة بتخصيص الموارد.

فالوسيلة الأولى أي جهاز السوق يميزها قوى العرض والطلب ونظام الثمن المؤسسان على مبدأ سيادة المستهلك واختياره، أما الوسيلة الثانية أي تدخل الدولة فيميزها فرض الضرائب والقيام بالنفقات العامة وصياغة السياسة المالية في إطار الموازنة العامة.

2-2- تدخل الدولة  لتخصيص الموارد*

       من المعروف أن جهاز السوق قد يعجز أحيانا عن تحقيق الكفاءة الاقتصادية المثلى في تخصيص الموارد ذلك أنه قد تؤدي قوى السوق لو تركت وشأنها إلى سوء تخصيص الموارد إما بالمبالغة والإسراف في إنتاج السلع الكمالية وغير الضرورية سعيا وراء الربح أو بالإقلال من إنتاج السلع الضرورية وهنا يأتي دور السياسة المالية في العمل على زيادة الكفاءة الاقتصادية بإعادة تخصيص الموارد عن طريق تقديم إعانات للوحدات الإنتاجية التي تقوم بإنتاج السلع المطلوب إنتاجها أي حالة عجز جهاز السوق عن توجيه الموارد لإنتاج هذه السلع كما قد تفرض ضرائب على السلع الكمالية.

تعمل السياسة المالية في مجال تخصيص الموارد على حسن توجيه وتخصيص الموارد في الحالات التي يلاحظ فيها قصر نظر من جانب الأفراد ووحدات وتظهر أهمية إعادة تخصيص الموارد في حالات كثيرة منها:

- حالة الموارد ذات الأهمية الإستراتيجية وغير المتجددة كالنفط والغاز؛

- حالة الموارد التي من المتوقع أن تشتد ندرتها في الأمد البعيد كالموارد المائية، ويتطلب في مثل هذا الوضع تنظيم إنتاج هذه الموارد وترشيد استهلاكها بالطريقة التي يراها صانع السياسة الاقتصادية عامة و السياسة المالية على وجه الخصوص مناسبة، كأن يرفع من أسعار استهلاكها لإجبار الأفراد على الاقتصاد في استخدامها وفي نفس الوقت البحث عن بدائلها، لأنه في حالة ترك أسعار هذه الموارد منخفضة في الوقت الحاضر لا شك أنه يؤدي إلى الإسراف والتبذير في استخدامها ويؤدي أيضا إلى وقوع كوارث في المستقبل عندما ينضب معينها دون توفير البدائل المناسبة[11].

وعند الحديث عن السلع الجماعية يجب أن نفرق بين الإنتاج العام لهذه السلع وتوفيرها من طرف الحكومة، فقد تقوم الدولة بالإنتاج المباشر ، هذه السلع الجماعية عن طريق المشروعات العامة، وقد يتم إنتاج بعضها في القطاع الخاص لحساب الدولة فمثلا إذا أرادات الدولة توفير خدمات التعليم والعلاج فيمكن أن تقوم ببناء المدارس أو المستشفيات عن طريق شركات القطاع العام أو عن طريق شركات القطاع الخاص، حيث تقوم الدولة بتمويل توفير هذه السلع بموارد الموازنة العامة وتقدمها بدون مقابل أو بأسعار أقل من تكلفة إنتاجها.

2-3-إجراءات السياسة المالية لإعادة تخصيص الموارد

       هناك إجراءات تساعد على تخصص الموارد وتوجيهها إلى المجالات التي تنفق وهيكل الأولويات والأهداف الاقتصادية للدولة، هذه الإجراءات تشمل كل من المنتجين والمستهلكين.

- بالنسبة للمنتجين: هناك إجراءات مالية مختلفة كحوافز مالية لتشجيع الاستثمارات الخاصة وأهمها:

- الإعفاءات الضريبية على أرباح الأعمال في الاستثمارات الجديدة لفترة محدودة؛

- الإعفاء جزئيا من الضرائب غير المباشرة مثل الرسوم الجمركية؛

- إعفاء الأرباح المحتجزة من الضرائب إذا ما استثمرت في إنشاء مشاريع جديدة أو تجديدها؛

- تقديم إعانات استثمارية( رأسمالية) للمنشآت الصغيرة؛

- الإنفاق الحكومي مثل برامج التدريب والتأهيل والطرق والمواصلات وغيرها من صنوف الإنفاق المتعلقة بالبنية الأساسية للاقتصاد.

- بالنسبة للمستهلكين: قد تتدخل الدولة من خلال السياسة المالية لصالح المستهلكين، حيث يسعى المستهلكون بطبيعة الحال للحصول على السلع ذات النوعية الجيّدة بأسعار منخفضة وفي نفس الوقت يسعى المنتجون إلى البيع بأسعار عالية، يحدث هذا عندما يتاح لهم قدر من السلطة الاحتكارية حيث تؤدي هذه الأخيرة في العادة إلى سوء تخصيص الموارد عندما يزداد الاستغلال من طرف المنتجين، تتدخل الدولة بوضع حدود للأسعار بطريقة أو بأخرى، كأن تقوم بتحديد أسعار بعض السلع فقد تكون بتكلفة إنتاجها وقد تكون أقل من ذلك( تدعيم الأسعار) وفي الحالتين تدفع الدولة للمنتجين إعانة مالية ( إعانة استغلال).

       وأخيرا نخلص إلى أنّ السياسة المالية تلعب دورا إيجابيا في تخصيص الموارد وبالتالي تلعب دورا هاما في تغيير أنماط الإنتاج.

3- السياسة المالية ودورها في إعادة توزيع الدخل الوطني

       يتحدد توزيع الدخل في كل مجتمع بالشكل السائد لملكية وسائل الإنتاج، يتحقق التوزيع بالدرجة الأولى لصاح أولئك الذين يملكون وسائل الإنتاج أي أن عملية توزيع الدخل تتأثر بتوزيع ملكية عوامل الإنتاج وقد لا يكون توزيع الدخل بين الأفراد عادلا من جهة نظر المجتمع.  وهناك نوعان من توزيع الدخل[12]:

3-1- التوزيع الشخصي للدخل على أفراد المجتمع الإقتصادي

3-1-1- التوزيع الوظيفي

        ويقصد بالدخل الوظيفي الدخل الذي تجنيه عناصر الإنتاج المختلفة أي توزيع الدخل الوطني بين مختلف عناصر الإنتاج ويتكون من النسبة المئوية لنصيب كل من الأجور والأرباح والفوائد والريع من الدخل الوطني، وجرى العرف عند استخدام التوزيع الوظيفي للدخل لدراسة تفاوت توزيع الدخل على تقسيم عوائد الإنتاج إلى مجموعتين[13]، تضم الأولى الأجور أما الثانية تضم عوائد عناصر الإنتاج الأخرى وتسمى عوائد الملكية. ويقاس التفاوت في توزيع الدخل باستخدام التوزيع الوظيفي للدخل عن طريق إجراء مقارنة بين النسبة المئوية لنصيب إجمالي الأجور من الدخل الوطني وبين النسبة المئوية لنصيب إجمالي عوائد حقوق الملكية من الدخل الوطني ويدل التقارب بين النسبتين على أن التفاوت في توزيع الدخل منخفض والعكس بالعكس.

 

 

3-1-2- التوزيع الشخصي للدخل

        هو توزيع الدخل بين أفراد المجتمع أو بين الأسر عند كل فئة من فئات الدخل ثم تجرى مقارنة بين النصيب النسبي لكل مجموعة من الأفراد والأسر عند مختلف فئات الدخل من الدخل الإجمالي، وعند الحديث عن التفاوت في توزيع الدخل والثروة الوطنية يبرز التساؤل عن العوامل التي تقف وراء التفاوت الشديد في توزيع الدخل الوطني، هناك أسباب متعددة تقف وراء التفاوت في الدخول منها ما يرجع إلى خصائص إنسانية، ومنها ما يرجع إلى ما يتمخض عن سير العملية الاقتصادية، وبصفة عامة هناك عاملان يؤديان إلى التفاوت وهما:

1- الفرص المتاحة للفرد وتتمثل في المواهب والقدرات الذهنية والمهارات الجسدية للأفراد بالإضافة إلى القدرات الطبيعية الموروثة والمكتسبة والثروة الممنوحة من الوالدين والأقارب؛

2- التفاوت في توزيع القوى الاقتصادية بين فئات المجتمع أي التفاوت في تملك الثروات المدرة للدخل والتي يملكها الأفراد ولا يخفى أن الفئات الاقتصادية القوية قد تكون قادرة على توجيه السلطة إلى خدمة مصالحها جزئيا، وهكذا تعمل القوانين على تركيز الثروة لدى فئة معينة وتنتقل هذه الثروة من جيل لآخر ومن المعلوم أن هذا التركيز في الثروة ينعكس في شكل تفاوت شديد في توزيع الدخل الوطني، وهذه العوامل وغيرها في تحديد نمط توزيع الدخل الوطني والثروة الوطنية، وخلق درجة من التباين في المراكز الاجتماعية والاقتصادية للأفراد وهنا يتسم الدخل بعدم العدالة في توزيعه وفي غير صالح الطبقات العاملة عموما، وأصحاب الدخول الثابتة والمحدودة على وجه الخصوص، ومن هنا تبرز أسباب متعددة اجتماعية واقتصادية تحتم تقليل هذا التفاوت وذلك بإعادة توزيع الدخل الوطني التي ينبغي أن تقوم بها الدولة ليس إرضاء فقط لمتطلبات اجتماعية وإنما أيضا لمتطلبات الاستقرار والأمن الاقتصادي ومنه تكون مبررات إعادة التوزيع اجتماعية واقتصادية في آن واحد.

 

 

3-2-كيفية إعادة توزيع الدخل

       يقصد بإعادة توزيع الدخل والثروة إدخال تعديلات على التوزيع الأولي للدخل والثروة بغرض تقليل التفاوت في المجتمع، ومن هنا فإن أي سياسة مالية تتبعها الحكومة يجب أن تقلل من التفاوت، وبشكل عام أن الأدوات المالية التي يمكن أن تستخدم من طرف الحكومة لإعادة توزيع الدخل الوطني متعددة إلاّ أنها  تنظم في مجموعات ثلاثة:

3-2-1- تحديد عوائد عناصر الإنتاج وأثمان السلع والخدمات

        فقد تلجأ الدولة أحيانا وضع حد أدنى للأجور، أو التسعير الجبري أو زيادة أسعار السلع الكمالية وغير الضرورية، كما تقوم بدعم أسعار السلع الضرورية المحدودة الدخل ، أو تقديم الدعم للأنشطة  الإنتاجية المخصصة لإنتاج السلع الأساسية.

3-2-2- إعادة توزيع الدخل الوطني باستخدام السياسة الضريبية من جهة ومن خلال سياسة الإنفاق من جهة أخرى

        كأن تلجأ الدولة إلى فرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الدخول المرتفعة[14]. كذلك يمكن للدولة أن تفرض ضرائب على التركات أن تعيد توزيع ملكية الثروة.

       ومن خلال النفقات التحويلية وما تقدمه الدولة من خدمات مجانية أو شبه مجانية لأصحاب الدخول المتدنية، لا شك أنه يرفع من الدخول الحقيقية لهم، كما أن الحكومة تستعمل سياسة الإنفاق العام لهذا الغرض، لأن الإنفاق العام يؤدي إلى إحداث تعديلات في توزيع الدخل الحقيقي طبقا لما يلي:

- زيادة الإنفاق العام على السلع والخدمات لإشباع الحاجات العامة تؤدي إلى تخفيض كمية السلع والخدمات المتاحة لإشباع الحاجات الخاصة؛

- تؤدي السياسة المالية من تغيير نمط توزيع الدخل الحقيقي من خلال زيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية التي يستفيد منها محدودي الدخل مما يؤدي إلى رفع دخولهم الحقيقية.

حيث تعمل الضرائب التصاعدية على الدخول الشخصية على الحد من التفاوت في توزيع الدخل عن طريقين:

فهي تقلل من مدى التفاوت في توزيع الدخل الصافي، كما أنها نقص بالتالي من درجة تركز الثروات في المستقبل وهكذا فإن الضرائب التصاعدية على الدخول لها أثرها في تغيير نمط ملكية الموارد إذ أنها تعمل على تعديل نمط المدخرات أكثر مما تعمل على تعديل نمط الاستهلاك.

3-2-3- تكييف نمط ملكية الموارد

قد تلجأ الدولة إلى تغيير نمط ملكية الموارد، وذلك بفرض الضرائب التصاعدية على التركات والهبات وعلى ملكية رأس المال، وإعادة توزيع الملكيات بين الأغنياء والفقراء إما مباشرة أو من خلال استثمار عام يؤدي إلى رفع إنتاجية رأس المال البشري للفقراء من خلال التعليم العام مثلا أو برامج التدريب أو تحسين الخدمات الصحية العامة بالإضافة إلى تحسين الخدمات التعليمية لأبناء الفقراء  مع إتاحة الفرص اللازمة لإتمام التعليم بالنسبة لأبناء الأسر محدودة الدخل.

       وخلاصة القول أن السياسة المالية بشقيها الإيرادي والإنفاق تعمل على خفض التفاوت في توزيع الدخل عن طريق تقليلها للتفاوت بين الدخول القابلة للإنفاق، ومنه تقلل احتمال تكديس كميات كبيرة من الثروات والدخول لدى فئات معينة من أفراد المجتمع دون غيرها.



[1] - سلوى سليمان، السياسة الإقتصادية، وكالة المطبوعات، الطبعة الأولى، الكويت، 1973، ص162.

[2]JOHNSON, Harry Gordon, On Economic and society, Chicago, University of Chicago, Bress, 1975, p240                                                                                                                                                     

[3] - وجدي حسين، المالية الحكومية والاقتصاد العام، الإسكندرية، 1988، ص224.

[4] - سمير محمود معتوق، أمينة عزا لدين عبد الله، المالية العامة، القاهرة، 2000، ص 335.

[5] - طارق الحاج، المالية العامة، مرجع سابق، ص205.

[6] - Jannson Harry Gardon, op-cit, p241 .                                                                                              

[7] - سهيل محمود معتوق، أمينة عز الدين عبد الله، مرحع سابق، ص345.

[8] - سهيل محمود معتوق، أمينة عز الدين عبه الله، مرجع سابق، ص275.

[9] - كمال حشيش ، أصول المالية العامة ، مؤسسة الثقافة الجامعية ، الإسكندرية ، 1984 ، ص 42.

[10] - رياض الشيخ ، المالية العامة ، مطابع الدجوى القاهرة ، 1989 ، ص 158.

* - لمزيد من التفصيل حول تخصيص الموارد أنظر: سهير محمود معتوق، أمينة عز الدين عبد الله، المالية العامة، مرجع سابق، ص273-310.

[11] - رياض الشيخ، المالية العامة، مرجع سابق، ص 160.

[12] - عطية عبد الواحد، مرجع سابق، ص459.

[13] - سهير محمود معتوق، أمينة عز الدين عبد الله، مرجع سابق، ص250.

[14] - طارق الحاج، المالية العامة، مرجع سابق، ص208.